
في لحظة تاريخية تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية وضغوط القدرة الشرائية، يأتي إطلاق عملية «عون» ليؤكد، مرة أخرى، أن خيار الحماية الاجتماعية أصبح سياسة دولة متكاملة، تتقدم فيها الفئات الهشة إلى صدارة الاهتمام العمومي. فإشراف فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، على إطلاق هذه العملية الوطنية من العاصمة نواكشوط يحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، تتجاوز البعد الإغاثي المباشر لتكرس رؤية شاملة للتضامن والعدالة الاجتماعية، ظلت تشكل أحد أعمدة مشروعه منذ وصوله إلى السلطة قبل نحو سبعة أعوام.
لقد اتسمت السنوات الماضية بوضوح الخيار الاجتماعي في السياسات الحكومية، حيث جرى الانتقال تدريجيا من تدخلات جزئية ومحدودة الأثر إلى بناء منظومة حماية اجتماعية أكثر اتساعا وانتظاما، تستند إلى التخطيط المسبق، والاستهداف الدقيق، وربط الدعم الاجتماعي بأهداف الاستقرار والتنمية. وتأتي عملية «عون» اليوم كتتويج لهذا المسار، ودليل عملي على أن البعد الاجتماعي بات خيارا استراتيجيا راسخا في توجهات الدولة.
إن استهداف أكثر من مليوني مواطن، أي ما يقارب نصف سكان البلاد، موزعين على امتداد التراب الوطني، يعكس حجم الرهان الذي تضعه الدولة على فعالية أدواتها الاجتماعية، ويبرهن في الوقت ذاته على نضج المقاربة المعتمدة، القائمة على قاعدة بيانات السجل الاجتماعي، بما توفره من دقة في الاستهداف، وتقليص للهدر، وضمان لوصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين. فالأرقام هنا ليست مجرد معطيات إحصائية، بل ترجمة عملية لفلسفة حكم ترى في المواطن محور السياسات العمومية وغايتها النهائية.
وتكتسب عملية «عون» أهميتها الخاصة من طبيعة تدخلها المزدوج، الذي يجمع بين التحويلات النقدية المباشرة لفائدة مئات الآلاف من الأسر، والدعم الغذائي الموجه لشريحة واسعة أخرى، وهو ما يمنح الأسر الهشة هامشا أكبر للتكيف مع ضغوط الشح الموسمي وارتفاع الأسعار، ويعزز أمنها الغذائي وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية بكرامة واستقلالية.
كما يعكس هذا التنويع في أدوات الدعم وعيا عميقا لدى صانع القرار بتفاوت أوضاع الأسر وخصوصياتها الاجتماعية والمجالية، وحرصا منه على تقديم استجابات مرنة تتلاءم مع الواقع المعيشي للمستفيدين.
ويبرز البعد الاستراتيجي للعملية من خلال الخطاب الرئاسي المرافق لإطلاقها، والذي ربط بوضوح بين مكافحة الفقر، وتحسين ظروف العيش، وتعزيز آليات الحماية الاجتماعية، باعتبارها خيارات ثابتة لا تخضع لتقلبات السياق الاقتصادي أو الظرفية المالية.
فالتأكيد على تعبئة الموارد الوطنية، ومواكبة الفئات الأكثر احتياجا، يعكس إرادة سياسية واضحة تسعى إلى تحويل الدعم الاجتماعي من رد فعل مؤقت إلى مسار مستدام، يساهم في تحصين المجتمع وتعزيز تماسكه.
ولا يقل البعد القيمي أهمية عن البعد الاقتصادي في هذه العملية، إذ حرص فخامة رئيس الجمهورية على التذكير بأن خلف الأرقام نساء ورجالا، ومسنين وأطفالا، يعيشون أوضاعا معيشية تستوجب الإنصاف والدعم. وهو ما يحول السياسة الاجتماعية من ملف تقني جاف إلى التزام أخلاقي وإنساني، يجعل من كرامة المواطن معيارا لنجاعة السياسات العمومية.
كما أن الدعوة الصريحة إلى الشفافية والإنصاف في إيصال المساعدات لمستحقيها، تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتؤسس لثقافة عمومية قوامها المساءلة والعدالة في توزيع الموارد، بما يرسخ الإحساس بالمواطنة ويقوي الروابط بين مختلف مكونات المجتمع.
وتمثل عملية «عون»، في هذا السياق، تجسيدا عمليا لخيار اجتماعي واضح المعالم، يؤمن بأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من حماية الفئات الأضعف، وأن بناء الدولة الحديثة لا يكتمل إلا بضمان حد أدنى من العيش الكريم لجميع المواطنين.
إنها رسالة طمأنة وأمل تؤكد أن الدولة حاضرة، تتابع، وتستبق الأزمات، وتتدخل حين تدعو الحاجة، واضعة الإنسان في قلب مشروعها الوطني، ومؤكدة أن البعد الاجتماعي سيظل ركيزة أساسية في مسار الإصلاح والتنمية.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)