
منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي، عرفت موريتانيا مايعرف بالانفتاح الديموقراطي، الذي جاء نتيجة تراكم عدة أسباب خارجية و داخلية.
هذه العاصفة قوبلت بإرادة التصدي المتفاوتة من حيث المنطق لمحاولة استيعاب المفاهيم والمضامين القادمة، وفقا لمتطلبات المرحلة التي أصبحت تملي قواعدها لتسيير المجال المحلي لدول لم تكن مهيأة تماما لتجربة الانفتاح الديمقراطي، وما يتطلبه من وسائل مادية ومعنوية لاستلهام العبرة والانخراط في منظومة جديدة وفقا لخصوصيات البلدان، كل حسب موقعه وقدرته على مواكبة الإصلاحات الدستورية والتنظيمية التي تؤهل وبشكل سلس لأخذ مكانة لائقة داخل القرية الكونية، التي تطورت بشكل سريع، نتيجة تطور وسائل الاتصال واختزال المسافات وصدمة الاحتكاك المباشر، لعوامل عدة يأتي في مقدمتها التنافس الايجابي على الموارد والتحكم في القرار من خلال امتلاك مصادر الخبر والاضطلاع بالدور الريادي في عالم الفكر والتطور التكنولوجي.
إنها الحداثة بما تعنيه من مفاهيم متعددة ومتنوعة تلقي بظلالها على صيرورة الأحداث لصناعة الأمور من منظور التهافت وراء صياغة الأفعال المؤثرة على مجريات التحركات الفعلية للفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين في بلد مترامي الأطراف كموريتانيا، نتيجة العامل الجغرافي من جهة، و إختلاف المصادر نتيجة التنوع الثقافي والاجتماعي لتركيبة المجتمع و هوى الذات لدى الإنسان الموريتاني الذي يعشق الحرية في صفائها. تعلم من رمال الصحراء وتقلباتها كيف يأخذ نفسا من هنا وهناك، واستلهم عبر تجاربه الماضية أنماطا متعددة، ولدت لديه هاجس التعبير الغير إرادي لما يجول في خلجانه من مصطلحات قد لا تتطابق في مغزاها مع هموم المواطن اليومية، بل تشكل انتكاسا حقيقيا لتدني مستوي التعبير اللفظي لدى النخب وقادة الرأي.
الشئ الذي يدفعنا اليوم إلى القول إن الخطاب السياسي الذي تترامى به أكثر من أي وقت مضى النخب السياسية المسيطرة من معارضة وموالاة بوسائلها، قصد التأثير المباشر على توجهات القواعد الشعبية لتحديد مصيرها من القضايا الوطنية العالقة، ينم في نهاية المطاف عن تدني لا غبار عليه في الأساليب المتهورة المعتمدة، انطلاقا من واقع مجريات التوازنات والاحتقان القائم بين أقطاب اللعبة السياسية الديمقراطية في البلد، موازاة مع التموقع من مصادر القرار ودواليب الحكم.
لقد أطل نواب برلمانيين من قيادات المعارضة الديمقراطية في موريتانيا في الآونة الخيرة بخطاب متطرف في مضمونه ومتشدد في مغزاه، المتناقض مع قواعد العمل السياسي الديموقراطي وتدني البعد الأخلاقي الذي يحمل قيم المودة والمحبة الأصيلة لشعب يحكمه دين السماحة واللياقة وتتجاذبه أعراف الحكمة والحنكة الضاربة في أعماق المواصفات الأزلية، التي ارتبطت بكيانه، بعيدا عن الغلو والتطرف، الغريبان على طبيعة المجتمع الموريتاني، الذي لا يختلف اثنان على بنيته ومرونة أطيافه في التعامل مع الشأن العام، عبر كافة الحقب التي طبعت الحياة السياسية وما ميزها من مخاطر، لم يكتب لها البقاء على نهج اعنف مما هي عليه اليوم من تنابز بالألفاظ والألقاب التافهة، لما تحمله من شحن عنصري فئوي و طائفي، يستهدف النيل من الرموز الوطنية للبلد.
إنها بداية النهاية للخطاب الفارغ من محتواه بكل المقاييس والدلالات، نتيجة التدني والانحطاط القائم في مختلف التجاذبات التي تطبع الساحة الوطنية، متخذة من الدعاية المفرطة قصد التأثير في الولاءات الضيقة ذات الطابع القبلي والجهوي تارة، والحماقة السياسية ذات البعد الأيديولوجي تارة أخري، وهي أمور لم تعد قابلة للتسويق في عالم اليوم، بل أصبحت سلعة مردودة على صاحبها بمختلف الأضرار والتكاليف، نظرا للانفتاح الإعلامي وتوسع حقل الحريات المثمنة في مجمل الخطوات التي قطعتها البلاد في سبيل تعزيز مكانة الريادة في عالمنا العربي، خصوصا تحرير حقل الإعلام السمعي البصري وصدور قانون خاص بالصحافة الالكترونية، التي يطبعها اليوم الكثير من الإصدارات الغير لائقة بأصحابها من النشر والنثر الموجه مسبقا بأيادي خفية لا تنم عن مواقف موضوعية من الحوار الوطني حول مجمل القضايا الوطنية التي تتطلب قدرا كبيرا من الموضوعية والدقة في نقل الخبر، الذي لم يعد حكرا على احد بفعل التطور الهائل لوسائل الاتصال والانتشار الفائق للقنوات الرسمية والغير رسمية للتحكم في التأثيرات السلبية للإعلام الموجه.
إن القطيعة مع الممارسات السلبية تفرضها الروح الوطنية وعقلية الانحياز لمقدسات البلد، التي تفرض علينا جميعا الابتعاد عن مسلكيات الحقد والأنانية التي لا تراعي سوى البقاء الضيق، بدل الذود عن المصالح المشتركة لمكونات الطيف السياسي في تنوع تركيبته واختلاف مشاربه الفكرية. إن جو التهدئة السياسية التي أرسى معالمها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منذ توليه مقاليد الحكم في البلد، تجسد رؤية مؤسسية جمهورية للتعاطي الديموقراطي مع قضايا الشأن العام، كل من موقعه. الأمر الذي يفرض التحلي بالمقتضيات الدستورية و النظم القانونية في تدبير مجال العمل السياسي ، ضمن منظومة القيم الديمقراطية الجامعة و الشاملة لمختلف الطيف السياسي موالاة و معارضة في حدود اللياقة الشرعية و المشروعية.


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)