
موريتانيا من تشكل الهوية إلى الصراع على تعريف الدولة
1. الإسلام والتعريب: جذور الهوية
لم تتشكل موريتانيا الحديثة من فراغ، بل سبقتها قرون من التفاعل الحضاري، أسهم فيها انتشار الإسلام، وتعززت فيها العربية مع الهجرات العربية، ولا سيما بني حسان، حتى نشأت خصوصية موريتانية تجمع الإسلام واللسان العربي والتراث المحلي. ومن ثم، فإن الهوية العربية الإسلامية ليست قرارا سياسيا طارئا، بل حصيلة تاريخ طويل من التشكّل الحضاري والاجتماعي.
2. الاستعمار والمقاومة
فرض الاستعمار الفرنسي سيطرته على البلاد في مطلع القرن العشرين، لكنه واجه مقاومة مسلحة استمرت عقودا، حتى معركة ميجه بتيرس التى استشهد فيها المجاهد الكبير اعلى ولد مياره سنة 1934 التي تمثل في هذا المسار خاتمة مرحلة المقاومة المسلحة المنظمة. غير أن انتهاء المواجهة العسكرية لم ينه أثر الاستعمار في مؤسسات الدولة وتصوراتها الثقافية واللغوية.
3. مؤتمر ألاك سنة 1958: الكيان قبل حسم الهوية
لم يكن مؤتمر ألاك سنة 1958، في قراءتي، مؤتمرا تأسيسيا حرا عبّر عن إرادة وطنية مستقلة عن الحسابات الفرنسية، بل انعقد تحت إشراف القوة الاستعمارية، وفي ظل مصالحها الاستراتيجية وسعيها إلى ضبط مستقبل المنطقة بعد تراجع قبضتها الاستعمارية المباشرة.
كان المغرب يطالب بموريتانيا في إطار تصوره لوحدة أراضيه، وكانت فرنسا معنية بمواجهة هذه المطالب، والحفاظ على نفوذها في المنطقة، وصيانة المصالح التي ربطتها بالفضاء السنغالي وغرب إفريقيا. وفي هذا السياق، جرى تقديم الكيان الموريتاني ضمن تصور يبرز انتماءه الإفريقي، بما يخدم مواجهة المطالب المغربية، بينما بقي السؤال الجوهري عن هوية الدولة وموقعها العربي مؤجلا.
وهنا تكمن خطورة تلك اللحظة التأسيسية: حُسمت مسألة الكيان السياسي قبل أن يُحسم بوضوح الأساس الحضاري الذي تقوم عليه الدولة. فبدلا من أن يكون الاستقلال مناسبة لإعادة تعريف موريتانيا انطلاقا من تاريخها ولسان غالبية مجتمعها وتراثها الإسلامي، استمر جانب من التصور الاستعماري في توجيه النقاش، وظلت اللغة الفرنسية ومؤسساتها حاضرة في بنية الدولة الجديدة.
ولم يكن تأجيل حسم الهوية مسألة لغوية عابرة؛ بل ترك فراغا سياسيا وفكريا ستتسابق التيارات اللاحقة إلى ملئه، كل من منطلقه ومشروعه. ومن هذا الفراغ يمكن فهم جانب من الصراع الذي ظهر لاحقا حول العربية والمرجعية الحضارية للدولة وحدود الانتماء الوطني.
4. اليسار الماركسي والصدام مع المشروع العربي
مع أواخر الستينيات، ظهرت تيارات يسارية وماركسية متأثرة بالمرجعيات الأممية وبالأفكار الثورية الوافدة، ودخلت في صدام مع المشروع العربي الذي مثّله جمال عبد الناصر. وفي قراءتي، لم يكن الخلاف معها مجرد اختلاف أيديولوجي، بل مسّ أيضا موقع العروبة في بناء الدولة ومشروعها الحضاري.
5. الإسلاموية ومفارقة الخصومة المشتركة
ثم برزت تيارات إسلاموية، من بينها تيارات متأثرة بفكر الإخوان المسلمين، تحمل خصومة تاريخية مع الناصرية. وعلى الرغم من التناقض العميق بين المرجعية الإسلامية والمرجعية الماركسية، فإن الخصومة المشتركة مع المشروع الناصري أوجدت تقاطعات سياسية بين أطراف متباعدة في المنطلقات والغايات.
6. حركة «أفلام» والصراع على هوية الدولة
ومنذ ظهور حركة «أفلام» سنة 1983، اتخذ الصراع على الهوية بعدا أكثر مباشرة، إذ تجاوز في قراءتي المطالبة بالحقوق إلى منازعة الأساس العربي للدولة وموقع اللغة العربية في بنيتها. وهنا ينبغي التمييز بين المطالبة المشروعة بالمساواة والحقوق، وبين تحويل الاختلاف الهوياتي إلى مشروع لإعادة تعريف الدولة على أسس تناقض تاريخها العربي الإسلامي.
7. الخيط الناظم ومخاطر انتخابات المجهول
على اختلاف المرجعيات، أرى خيطا سياسيا ناظما يصل بين هذه التيارات: الأممية اليسارية، والإسلاموية المناوئة للمشروع الناصري، والنزعة الهوياتية الزنجية المتعصبة، حين تلتقي مواقفها عند منازعة المشروع العربي والهوية العربية الإسلامية للدولة. وليست هذه التيارات تنظيما واحدا، لكن تقاطعها في هذه النقطة يستحق القراءة والتحليل.
وتتضاعف خطورة هذا التقاطع حين تُترك الانتخابات مفتوحة على المجهول، في مجتمع صامت، بينما يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة في توجيه الدولة وقيادة القوات المسلحة وإدارة الأزمات. فليس الخطر في تداول السلطة بذاته، بل في احتمال أن تفضي إلى الحكم قيادة تحمل مشروعا يعيد تشكيل هوية الدولة، فيما تغيب مناقشة وطنية جادة لعواقب ذلك. إن الانتخابات لا تعفي المجتمع من مسؤولية الوعي بما يختار، ولا يغني الصمت عن تحصين الدولة ومناقشة الأسس التي تحفظ وحدتها واستقرارها.
خاتمة
إن الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية لموريتانيا لا يعني إنكار حقوق أي مكوّن من مكونات المجتمع، كما أن المساواة بين المواطنين لا تستلزم محو الهوية التاريخية للدولة أو تحويلها إلى موضوع مساومة سياسية. فالمطلوب هو دولة عادلة تحفظ الحقوق، وتستمد تماسكها من تاريخها الحضاري، وتدرك أن ترك سؤال الهوية بلا حسم يفتح الباب أمام صراعات قد تتجاوز حدود الاختلاف السياسي إلى إعادة تشكيل الدولة ذاتها.
الأستاذ : السالك ولد اباه

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)