
في خطوة تحمل دلالات واضحة بشأن أولويات العمل الحكومي وآليات متابعة المشاريع العمومية، بدأ الوزير الأول المختار ولد اجاي، اليوم السبت، زيارات ميدانية لتفقد سير العمل في عدد من المشاريع التنموية بولايات نواكشوط، وذلك بتعليمات من فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.
وتكتسب هذه الجولة أهميتها من طبيعة المهام التي تتولاهاحكومته ومن الرسائل التي تحملها بشأن ضرورة الانتقال من متابعة البرامج عبر التقارير الإدارية إلى معاينة نتائجها على أرض الواقع، والتحقق من مستوى تقدم الأشغال، ومدى احترام المواصفات الفنية والآجال المحددة، بما يضمن تحويل الاعتمادات المالية المرصودة إلى منجزات ملموسة يستفيد منها المواطن في حياته اليومية.
وتمتد دلالة هذه الجولة إلى مراقبة أداء المنشآت القائمة، والتأكد من المحافظة على الاستثمارات العمومية وضمان استمرارية الخدمات التي تقدمها. وهو ما تجسده بوضوح زيارة المراكز الصحية، التي أبرزت أن مسؤولية الدولة لا تنتهي بتشييد المرافق وتجهيزها، وإنما تتواصل من خلال ضمان حسن تسييرها وصيانتها.
إن انتقال الوزير الأول من المكاتب إلى مواقع المشاريع، وتخصيص العطلة الأسبوعية لمعاينة الأشغال والاطلاع على مراحل تنفيذها، يعكسان توجها نحو تعزيز المتابعة المباشرة باعتبارها إحدى الأدوات الضرورية لضمان حسن تنفيذ البرامج التنموية.
فالمشاريع العمومية لا تقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، ولا بما تتضمنه التقارير الإدارية من نسب تقدم، وإنما بمدى تجسيدها على أرض الواقع، واحترامها للمعايير الفنية والآجال المحددة، وقدرتها على الاستجابة للحاجات الفعلية للسكان.
ومن هذا المنطلق، تتيح الزيارات الميدانية لصانع القرار فرصة الاطلاع المباشر على واقع التنفيذ، ورصد ما تحقق من تقدم، وتحديد ما قد يعترض بعض المشاريع من صعوبات، بما يساعد على اتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت الملائم، ويحد من الفجوة المحتملة بين المعطيات الواردة في التقارير والصورة الحقيقية للأشغال.
وتزداد أهمية هذه المقاربة عندما يتعلق الأمر بمشاريع تقترب من مراحلها النهائية، حيث تصبح المتابعة الدقيقة عاملا حاسما في استكمالها وتسليمها وفق المواصفات المطلوبة. فالتأخر في معالجة الملاحظات الفنية، أو التساهل في مراقبة جودة التنفيذ، قد يقلل من القيمة العملية للاستثمارات، حتى عندما تكون الموارد المالية اللازمة قد رصدت بالفعل.
ومن هنا، فإن المتابعة الميدانية تمثل حلقة أساسية في منظومة الرقابة على تنفيذ البرامج الحكومية، لأنها تتيح الانتقال من تقييم الإجراءات إلى فحص النتائج، ومن الاكتفاء بتلقي المعلومات إلى التحقق المباشر منها، بما يعزز فرص الإنجاز الجيد ويكرس المسؤولية عن الأداء.
وتندرج جولة معالي الوزير الأول، المختار ولد اجاي، ضمن توجه رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، نحو متابعة تنفيذ البرامج الحكومية، وتعزيز حضور الدولة في الميدان، وتوجيه جهود التنمية إلى القطاعات والمناطق والفئات الأكثر احتياجا.
فالقيمة الحقيقية للتوجيهات الرئاسية تظهر في قدرتها على إحداث تغيير ملموس في الواقع المعيشي، من خلال تحسين الخدمات العمومية، وتطوير البنية التحتية، وتوفير الظروف الملائمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن معاينة المشاريع في مواقعها تمثل حلقة أساسية في تحويل القرار السياسي إلى إنجاز تنموي؛ إذ تسمح بالتحقق من أن الموارد المخصصة تجد طريقها إلى الأهداف التي رصدت من أجلها، وأن الأشغال المنفذة تستجيب للاحتياجات التي بررت إطلاقها.
كما تعكس هذه المقاربة أهمية التنسيق بين القطاعات الحكومية والجهات المشرفة على التنفيذ والمؤسسات المنفذة، باعتبار أن نجاح المشروع يرتبط ارتباطا وثيقا بفعالية الإشراف عليه، وسرعة معالجة الاختلالات، والحرص على جودة المخرجات.
وتبرز أهمية هذا التوجه في كونه يربط المسؤولية السياسية والإدارية بالنتائج، ويجعل متابعة التنفيذ جزءا من الالتزامات العملية للحكومة، لا مجرد إجراء روتيني يواكب إطلاق المشاريع أو افتتاحها.
وتحمل المشاريع الجاري تنفيذها في ولايات نواكشوط أهمية خاصة، بالنظر إلى الكثافة السكانية للعاصمة، وتزايد الطلب على الخدمات الأساسية، وما يفرضه التوسع العمراني من تحديات تتعلق بالبنية التحتية وجودة الحياة وتنظيم المجال الحضري.
ومن شأن استكمال المشاريع الموجهة إلى العاصمة أن يسهم، بحسب طبيعتها وأهدافها، في تحسين ظروف العيش، وتطوير الخدمات، وتخفيف بعض الضغوط الناجمة عن النمو الحضري، شريطة أن تقترن سرعة الإنجاز بجودة التنفيذ، وأن تراعى في تسليم المنشآت متطلبات الاستدامة والصيانة.
كما أن توزيع المشاريع على مناطق مختلفة من العاصمة يطرح مسألة التوازن في الاستفادة من الاستثمارات العمومية، بحيث لا تقتصر ثمار التنمية على مناطق بعينها، بل تمتد إلى الأحياء والفئات التي تحتاج إلى مزيد من الخدمات والتجهيزات.
وهنا تبرز أهمية النظر إلى المشروع العمومي باعتباره وسيلة لتحسين حياة الناس، لا مجرد منشأة تضاف إلى رصيد الإنجازات؛ فالمعيار الأهم هو ما يقدمه من منفعة فعلية للمواطن، ومدى استجابته للغرض الذي أنشئ من أجله.
وفي هذا السياق، تكتسب المنشآت الصحية أهمية مضاعفة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحياة المواطنين وحقهم في الحصول على الخدمات العلاجية في ظروف مناسبة، وهو ما يجعل مراقبة أدائها والمحافظة على تجهيزاتها امتدادا طبيعيا لمتابعة المشاريع التنموية.
وتتجلى إحدى أبرز دلالات الجولة في زيارة الوزير الأول المختار ولد اجاي، رفقة وزيرة الصحة الناها حمدي مكناس، لعدد من المراكز الصحية في نواكشوط، حيث شدد على ضرورة المحافظة على هذه المنشآت وتجهيزاتها، وعدم السماح بتبديد الاستثمارات العمومية التي خصصت لإنشائها بسبب الإهمال وغياب النظافة.
وخلال الزيارة، أكد الوزير الأول أن تشييد هذه المراكز وتجهيزها كلف خزينة الدولة أكثر من 20 مليار أوقية قديمة، موجها حديثا حازما إلى العاملين فيها بشأن ضرورة تحمل مسؤولياتهم والمحافظة على هذا الاستثمار، ومشددا على أن الدولة لن تقبل ضياع هذه الأموال نتيجة التقصير في النظافة والصيانة وحسن التسيير.
وتحمل هذه الرسالة أبعادا تلامس قضية جوهرية في إدارة المال العام، تتمثل في ضرورة الانتقال من التركيز على إنشاء المرافق العمومية إلى ضمان استمرارها في أداء وظائفها بكفاءة.
فالمبالغ التي تنفقها الدولة على تشييد المنشآت الصحية وتجهيزها لا تستهدف إضافة مبان إلى رصيد الممتلكات العمومية فحسب، بل ترمي أساسا إلى توفير خدمات علاجية أقرب إلى المواطنين، وتخفيف الضغط عن المستشفى الوطني، وتحسين ظروف التكفل بالمرضى، تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني.
وبالتالي، فإن أي تقصير في المحافظة على تلك المنشآت أو تجهيزاتها لا يمثل مجرد خلل إداري محدود، بل قد يؤدي إلى إضعاف المردودية الاجتماعية للاستثمار، والحد من قدرة المراكز على تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها.
ومن الناحية التنموية، تكشف هذه المقاربة عن أهمية احتساب كلفة الإهمال إلى جانب كلفة الإنشاء؛ فالتجهيزات التي تتعرض للتلف بسبب سوء الاستخدام، والمباني التي تتراجع حالتها نتيجة غياب الصيانة، والخدمات التي تتأثر بضعف النظافة والتنظيم، كلها عوامل قد تفرض على الدولة نفقات إضافية كان بالإمكان تفاديها من خلال التسيير المسؤول والمتابعة المنتظمة.
كما أن النظافة داخل المرافق الصحية ليست مسألة شكلية أو تفصيلا ثانويا، بل هي عنصر أساسي في جودة الخدمة وسلامة البيئة العلاجية. ولا يمكن للمركز الصحي أن يؤدي دوره على الوجه المطلوب إذا لم تتوافر فيه شروط النظافة والصيانة، إلى جانب التجهيزات الضرورية والموارد البشرية المؤهلة والانضباط المهني.
إن تشديد الوزير الأول على حماية هذا الاستثمار يوجه رسالة مفادها أن صيانة الممتلكات العمومية جزء لا يتجزأ من المسؤولية الوظيفية، وأن المحافظة على المال العام لا تتحقق فقط عبر ضبط النفقات ومنع الاختلالات المالية، وإنما كذلك من خلال الاستخدام الأمثل للأصول التي تمتلكها الدولة.
وتفتح زيارة المراكز الصحية مجالا لتحليل أوسع يتعلق بمفهوم الإنجاز العمومي ذاته. فإذا كانت متابعة الورش تركز على احترام التصاميم والمواصفات والآجال، فإن متابعة المرافق بعد دخولها حيز الخدمة تركز على قدرتها على الاستمرار في تقديم المنفعة التي أنشئت من أجلها.
وتضع الجولة الميدانية الوزير الأول المختار ولد اجاي في صلب مسؤولية متابعة تنفيذ الأولويات الحكومية، من خلال الوقوف المباشر على مستوى تقدم المشاريع، واستجلاء أسباب التأخر، إن وجد، وتحديد ما يتطلبه استكمال الأشغال من تدخلات وإجراءات.
وتتسع هذه المسؤولية، في ضوء زيارة المراكز الصحية، لتشمل كذلك متابعة أداء المنشآت القائمة، والوقوف على ظروف تسييرها، ومدى التزام المسؤولين والعاملين فيها بواجبات المحافظة على الممتلكات العمومية وتوفير الخدمات بالجودة المطلوبة.
وتكمن أهمية هذه المسؤولية في أن الإشراف الحكومي الفعال لا يقتصر على توزيع المهام وإصدار التعليمات، بل يتطلب متابعة مستمرة، وتقييما موضوعيا للنتائج، وربطا بين المسؤولية ومستوى الأداء، بما يعزز ثقافة الإنجاز والمساءلة داخل الإدارة.
كما أن تخصيص العطلة الأسبوعية للعمل الميداني يبعث برسالة مفادها أن متابعة المشاريع ذات الأولوية تستدعي حضورا فعليا في مواقع التنفيذ، خصوصا عندما تقترب بعض الأشغال من مراحلها النهائية، حيث تصبح التفاصيل الفنية واحترام المعايير والآجال عوامل حاسمة في جودة النتيجة النهائية.
وتؤكد زيارة المراكز الصحية، في الوقت نفسه، أن المساءلة لا ينبغي أن تتوقف عند الجهات التي تنفذ المشاريع، بل يجب أن تشمل أيضا المسؤولين عن تشغيل المنشآت وتسييرها والمحافظة عليها. فنجاح الاستثمار العمومي مسؤولية متواصلة، تتوزع على مراحل متعددة، ولا يجوز أن تنتهي بمجرد تسلم المبنى أو التجهيز، وهو ما يسعى معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي إلى إشاعته كثقافة يجب أن تضبط العمل الحكومي على كل المستويات.
*- إسماعيل ولد الرباني
المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)