رسائل الطالب أحمد بن الحاج الأمين القلاوي في تحقيق حرف الجيم  درر ظلت إلى وقت قريب مجهولة المؤلف../محمد يحى ابن احريمو 

اطلعت قديما على رسالة في الرد على الشيخ منيرة بن حبيب الله الألفغي الشمشوي (ت 1163هـ) في مسألة القراءة بالجيم الشديدة" وهي رسالة مطولة نسبيا، تضمنت دفاعا مستميتا عن الجيم الشديدة، ونفى مؤلفها أن تكون لأهل الجيم المتفشية أي رواية او سند متصل، واستطرد من خلال ذلك الرد على ما  ذكره منيره من أن سيدي محمد المحجوب الجكني (ت: 1102هـ) قرأ بالجيم المتفشية على ابن القاضي الفاسي، وقال: إنه إنما كان يقرأ بالشديدة، ولكنه شغل عن التدريس بالجهاد، والوقوف في وجه بعض الحملات العسكرية القادمة من الشمال. وأورد طرفة مؤداها أن تلامذته قالوا له: "هل نقول لك سيدي المحجوب؟" بجيم شديدة وهي مستثقلة في العامية.. 
وناقش صاحب هذه الرسالة ما ذكره  الشيخ منيرة من أنه -أي منيرة-  أخذ عن الحاج سيدي الأمين بن المختار بن أحمد جار الله  (جد العلامة المرابط محمد الأمين بن أحمد زيدان ودفين جبل المدوب شمال العيون) عن الحاج عبد الله الحسني عن شيخ عن شيخ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قائلا: ان سيدي الامين بذل أمواله لتلامذة شيخ القراء التنواجيوي ليدرسوا أبناءه، ولو كان عنده ما يخالف ذلك ما فعل! 
وناقش ما نسب الشيخ منيرة لقراء آخرين منهم الإمام مينحن بن مودي مالك، و الطالب اخيار المسومي والطالب المصطفى القلاوي وغيرهم..
كما أورد فتوى العلامة الامام سيدي عبد الله بن محم بن القاضي (بن رازقة) في ترجيح القراءة بالجيم المتفشية، وأورد استفاء عمر بن باب الولاتي لأهل مصر وجوابهم له في المسالة..
هذه الرسالة معروفة عند بعض الباحثين وقد نشر مقتطفات منها الأستاذ الدكتور  محمد المختار بن أباه رحمه الله في كتابه "تاريخ القراءات في المشرق والمغرب" وصرح بأن مؤلفها مجهول، وأن نصه ليس بواضح.. وقد اطّلع المرحوم محمد المختار على نسخة غير نسخة تشيت..
ورجع اليها كذلك أخونا العلامة الدكتور أحمد كوري بن ياب في تحقيقه لرسالة التنواجيوي في الحذف، ونقل منها فوائد تتعلق بترجمته، كما نقلت منها أيضا فقرات في ترجمة كتبتها التنواجيوي شيخ القراء المذكور منذ سنوات..
وقد اطلعت على ترجمة التواتي في فهرسته للطالب أحمد بن الحاج الأمين القلاوي فذكر فيها أنه من تلامذة الشيخ سيدي التنواجيوي، وأن له "رسالة في النطق بالجيم" قتساءلت هل تكون هذه الرسالة من تأليف العلامة الطالب أحمد المذكور؟ لكن لم أجد حينها ما يشهد لذلك، خاصة وأنه تحدث عن الطالب المصطفى القلاوي حديثا عابرا وذكر فيه أنه حضره صلى مع الشيخ التنواجيوي صلاة المغرب، في آخر أيامه، وقرأ بالجيم الشديدة، وكان قد استقر في ذهني أن الطالب أحمد من كبار تلامذة الطالب المصطف بحكم القرابة والجوار، وهو - )'أي الطالب أحمد-  باني "قصر السلام" قرب "گنديگة- بومديد" كما صرح به ابن انبوجا وصاحب فتح الشكور. وينسب بناء "قصر السلام" في الروايات الشفوية كذلك للطالب المصطفى والثابت أنه كان ضمن المجال الجغرافي للطالب المصطفى ولأسرته.. 
ومنذ أيام اتصل بي أخونا الباحث الجاد المحرر محمد المحجوب بن بية Mahjoub Ould Boyeحفظه الله، وذكر لي أنه عثر على رسالة في الرد على بعض العلماء -ظهر  بعد ذلك أنه سيدي محمد بن الحبيب بن أيّد الأمين- يرد بها على عالم آخر ينتصر للجيم المتفشية، وأطلعني على بعض كلامه فقلت له: لعله يرد على الطالب أحمد بن الحاج الأمين؛ لأن له رسالة في الجيم.. فاتصل بي بعد ذلك ليخبرني أنه وجد النص في الرسالة على أن المخاطب بها ابن الحاج الأمين.. 
وقد تعرفنا من خلال رسالة ابن أيّد الأمين على رسالة للطالب أحمد بن الحاج الأمين التي توجد نسخة منها في مكتبات "جني" يرد بها على سيدي الأمين بن المختار بن أحمد جار الله المتقدم الذكر، ويدعوه إلى الأخذ بما عند الشيخ التنواجيوي ووصفه في أول الرسالة بقوله: "أحد شيوخنا الجلة الذين هم كالأهلة العالم الأديب الآخذ من الفنون بأوفر نصيب"  وذكر أنه أخبره الطالب صالح  بن المختار بتوقف الشيخ سيدي الامين المذكور في القراءة بالجيم الشديدة..
وقد سبق أن نشرها أخونا الدكتور د. الطالب المجتبى عنگر منذ مدة..
إذًا تعرفنا من خلال رسالة ابن أيّد الأمين على إحدى رسائل ابن الحاج الأمين القلاوي التي كانت تصنف على أنها مجهولة، وذلك من خلال  مخاطبته  المردود عليه بما يدل على أنه ابن الحاج الأمين. فقد نفى أن يكون أحدٌ أجاز القراءة بالوجهين، ثم استثنى فقال:
"إلا ما بلغنا عن العالم العلامة الذي انسلخ من الدنيا بجملتها وبذلها لضرتها، وجاهد نفسه على اتباع الشريعة من زمن فتوته (…)  حتى قبضه الله مهذبًا له مطيّبًا بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم طيبة، والدِكم الحاج الأمين، أنه روى عن سيد أحمد الحبيب، نفعنا الله بالجميع، جواز الروايتين."
فقوله "والدكم الحاج الأمين" صريح فيما ذكرنا، ومعلوم أن الحاج الامين القلاوي الموسوي حج سنة 1140هـ  واستقر بالمدينة وأسس بها "وقف الشناقطة" وتوفي هنالك..
الطريف في الأمر أن هذا الخيط الذي مكننا من التعرف على رسالة ابن الحاج الأمين التي يحاور فيها سيدي الأمين بن المختار، قد مكننا أيضا من التعرف على أنه هو صاحب رسالة "الرد على منيرة" التي ظل الباحثون يصنفونها على أنها مجهولة المؤلف، وذلك من خلال عدة قرائن منها: 
1- أن صاحب رسالة الرد على منيرة ذكر أن له رسالة مختصرة في "تحقيق الجيم الشديدة"  وتلك الرسالة هي التي يحاور فيها سيدي الامين كما رأينا فهي مختصرة  بالنسة للأخرى..
2- التحلية  التي حلى بها شيخه في الرسالتين تخرج من مشكاة واحدة، ففي رسالة الحوار مع سيدي الأمين يقول متحدثا عن سيدي الامين: "لم يزل متوقفا عن النطق بالجيم على الحالة المشهورة عن الأستاذ المتفنن أبي محمد عبد الله بن أبي بكر التنواجيوي نجاه الله من المكروه" 
وفي بداية رسالة الرد على منيرة يقول: "هذا وان أخانا في الله الصالح النبيه الخير الدين منيره -أنار الله لنا وله معالم دين الحق وفتح لنا وله ما انغلق- كتب كتابا في ذم النطق بالجيم على الحالة المشهورة عن شيخنا الاستاذ المتفنن أبي محمد عبد الله بن أبي بكر التنواجيوي نجاه الله من المكروه".. ثم ذكر أنه كان قد ألف رسالة مختصرة في الدفاع عن الجيم الشديدة، ورأى رسالة منيرة كأنها رد عليها فأراد أن يؤلف رسالة أخرى لا تعارض ما تقدم له في تلك الرسالة بل تقويه وتؤيده..
2- ثم ذكر  في بداية رسالة الرد على منيرة : "أن القراءة لا مدخل فيها للقياس، ومن يرمها به فإنه في أودية التخليط والالتباس، فهي سنة متبعة تؤخذ من أفواه الرجال، كما قال السيوطي في كتابه المسمى بالإتقان: "إن كل من جود القرآن على شيخ عدل ثقة مأمون النقل عن مثله عدل بعد عدل إلى أن تتصل بالشارع عليه الصلوات والسلام حري أن يقول : هكذا  أقرأني شيخي فلان عن شيخه فلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم". وبهذا الكلام افتتح رسالته في محاورة سيدي الأمين حرفا بحرف..
3- ذكر بعد ذلك كلام أحمد بن عبد العزيز ابن عاشر السلوي في كتابه "اتباع الإنصاف في قراءة الأئمة السبعة واختصار الأرداف" في تعريف التجويد، وأنه "إخراج كل حرف من مخرجه المعتاد، وإعطائه حقه من صفته اللازمة ومد ما يمد وقصر ما يقصر" الخ وهذا النقل بعينه منقول في رسالة محاورة سيدي الامين المذكورة..
4- ذكر بعد ذلك في رسالة الرد على منيرة كلاما للداني في كتاب "التجويد" يقول فيه: "واعلموا أن كل حرف من حروف المعجم يجب أن يوفى حقه من المنزلة التي هو مخصوص بها" وذكر هذا الكلام بعينه في الرسالة المختصرة… ثم ذكر بعد ذلك نقولا من التسهيل لابن مالك، وقد أوردها يعينها في الرسالة المختصرة..
5- أن التواتي في فهرسته في تعداده لمؤلفات الحاج أحمد بن الحاج الأمين يقول: إن له "رسالة في النطق بالجيم" والمؤلف يقول فيها: "وصفة النطق بالجيم هو ما حرره شيخ شيوخنا داني زمانه سيدي أحمد الحبيب اللمطي" الخ وتكررت هذه العبارة في رسالته كذلك..
6- تحدث في الرسالة المطولة عن رحلة شيخه سيدي عبد الله التنواجيوي وافته في العلوم: "وخصوصا كتاب الله فقد أبرد فيه الغليل وشفى فيه العليل، فهو من جملة محفوظاته في الصغر، وامتزجت أحكامه بدمه ولحمه عند الكبر،  آناء الليل والنهار، وراجع فيما أشكل منه الكبار، وباحث الصغار، وقرأ بالعشر الكبير حتى انتبه للشاذ والقطمر، وكتب وأثبت ورجع واضطرب، وسهر وأسهر وهذا دأبه ستين تنيف على الأربعين" وهذا الكلام بعينه، نقله عنه  ابن أيّد الأمين رحمه في رده على الرسالة المختصرة، مما يجعل نجزم بأن مؤلف الرسالتين واحد…
الى غير ذلك من القرائن التي يضيق المقام عن تتبعها…
والعلامة الطالب أحمد بن الحاج الامين القلاوي "باني قصر السلام" وقائد ركب الحاج الشنقيطي في عصره، أحد الأعلام الكبار، له مؤلفات منها شرح على الدرر اللوامع ورسائل الجيم المذكورة، وشرح منظومة ابن سعيد السوسي في الفلك وغير ذلك… ترجم له صاحب فتح الشكور وأثنى عليه كثيرا ونوه بقوته في الحق، وجهوده في الحسبة وتطبيق الأحكام الشرعية حتى "كاد يقيم الحدود" لجمعة بين العلم والرئاسة ونفوذ كلمته، وتوفي رحمه الله بفزان سنة 1157هـ كما قال الناظم: 
لأحمد نجل الحاج عدت مناقب ** بفزان قد دست  بزطة مرجل 
وقد ترجم له صاحب فتح الشكور وغيره..
وهذه النصوص تدخل ضمن نقاش الجيم المشهور الذي كتب فيه عدد كبير من علماء البلاد من مختلف المناطق. ويعتبر نقاشا صوتيا ثريا وظفت فيه علوم اللغة والنحو والبلاغة والمقرأ وأثرى الساحة العلمية، واستمر لعدة قرون، ولعل الله ييسر لنا جمع نصوصه ودراستها وتحقيقها… 
في المرفقات: 
- الصفحة الاولى من رسالة الجيم المطولة 
- الصفحة الاولى من الرسالة المختصرة

أحد, 04/10/2026 - 15:50