حدث وتعليق/ «وطني وجهتي».. رؤية وطنية للتنمية واكتشاف الذات

لم تعد السياحة الداخلية في موريتانيا مجرد فكرة مرتبطة بالعطلة أو البحث عن وجهة للراحة، بل بدأت تتحول، في ضوء الديناميكية التي أطلقها برنامج «وطني وجهتي»، إلى خيار وطني ذي أبعاد اقتصادية وثقافية واجتماعية تتجاوز بكثير حدود الموسم السياحي.

ومن مدينة كيفه، حيث انطلقت فعاليات موسم الخريف بحضور السيدة الأولى الدكتورة مريم محمد فاضل الداه، وتحت إشراف وزيرة التجارة والسياحة السيدة زينب بنت أحمدناه، تبدو ملامح هذه الرؤية أكثر وضوحاً، حيث أصبح الوطن نفسه وجهة، وتحولت حركة المواطنين داخله إلى قوة دافعة للتنمية.

وهذه هي القيمة الحقيقية للمبادرة؛ فهي لا تقول للمواطن فقط: «اقض عطلتك في بلدك»، وإنما تقول له، بصورة أعمق: اكتشف وطنك، وتعرّف على تنوعه، وأنفق جزءا من دخلك في اقتصاده المحلي، وساهم في خلق فرص العمل داخل مجتمعاته.

قد تبدو السياحة في ظاهرها نشاطا ترفيهيا، لكنها في جوهرها واحدة من أكثر القطاعات قدرة على خلق روابط اقتصادية واسعة.

فعندما ينتقل مواطن من نواكشوط إلى كيفه، أو من نواذيبو إلى أطار، أو من أية ولاية إلى أخرى، فإن إنفاقه لا يتوقف عند وسيلة النقل. إنه يدفع مقابل الإقامة، والطعام، والخدمات، ويقتني منتجات محلية، ويزور مواقع سياحية، وربما يستعين بمرشدين أو يستفيد من أنشطة ثقافية وترفيهية.

وهكذا تنتقل الأموال من جيب المستهلك إلى جيوب عشرات الفاعلين (صاحب الفندق، وسائق السيارة، والعامل في المطعم، والحرفي، وصاحب المتجر، والشاب الذي يقدم خدمة سياحية، والأسرة التي تعرض منتجا محليا).

إنها دورة اقتصادية صغيرة في حجمها، لكنها واسعة في انتشارها، وهو ما يجعل تشجيع السياحة الداخلية أحد أشكال دعم الاقتصاد المحلي وتوسيع قاعدة المستفيدين من النشاط الاقتصادي.

ومن هنا تبدو أهمية الرؤية التي عبرت عنها المديرة العامة للمكتب الوطني للسياحة، حين ربطت بين اختيار المواطن لوجهته داخل الوطن وبين انعاش الاقتصادات المحلية وخلق فرص العمل والاستثمار.

وتكمن الأهمية الأعمق لـ«وطني وجهتي» أيضا في أنها تعيد توزيع الاهتمام الاقتصادي والسياحي على خريطة البلاد.

فموريتانيا لا تختزل في العاصمة، ولا في المدن الساحلية، ولا في وجهة سياحية واحدة. فثراء البلاد الحقيقي يكمن في تنوعها في الواحات والصحراء والسواحل، وفي المدن التاريخية، وفي التنوع الثقافي، وفي العادات المحلية، وفي الطبيعة المتباينة من منطقة إلى أخرى.

وعندما تصبح هذه المناطق مقصدا للمواطنين والزوار، فإن ذلك يمنحها فرصة لتحويل مقوماتها الطبيعية والثقافية إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

وهنا تلتقي السياحة مع جوهر التنمية المحلية، فكل ولاية قادرة على أن تكون منتجة للقيمة، لا مجرد مستهلكة لها.

ولذلك فإن نجاح هذا التوجه لا يقاس فقط بعدد السياح أو عدد الرحلات، وإنما بما يخلقه من أنشطة اقتصادية، وما يوفره من فرص للشباب، وما يفتح أمام المستثمرين المحليين من مجالات جديدة.

وليس اختيار مدينة كيفه لإطلاق موسم الخريف مجرد اختيار جغرافي. فهي مدينة تمثل بوابة مهمة إلى عمق موريتانيا، وتختزن ولاية لعصابة مؤهلات طبيعية وثقافية واجتماعية يمكن أن تجعل منها إحدى الوجهات الواعدة في السياحة الداخلية.

ومن خلال وضع هذه الولاية في واجهة المشهد السياحي الوطني، يتم توجيه رسالة مهمة مفادها أن التنمية السياحية لا ينبغي أن تظل محصورة في مناطق بعينها، وأن كل منطقة من مناطق موريتانيا تملك قصة تستحق أن تُروى، ومقومات تستحق أن تُكتشف، وفرصا تستحق أن تُستثمر.

وهذا بالضبط ما يجعل حضور السيدة الأولى وعدد من أعضاء الحكومة والسلطات والفاعلين السياحيين في هذه المحطة ذا قيمة رمزية وعملية؛ فهو يعكس انتقال السياحة من هامش الاهتمام إلى موقع أكثر حضورا ضمن الرؤية التنموية.

وانطلاقا من التحدي الأكبر، والمتمثل في كيفية المحافظة على الزخم بعد انتهاء الموسم، جاءت المبادرة التي أعلن عنها المكتب الوطني للسياحة: «Discover Mauritania – اكتشف موريتانيا».

فالبرنامج الجديد يقدم إجابة عملية عن السؤال الجوهري: كيف نجعل السياحة ديناميكية مستمرة طوال السنة؟

إن تحويل اكتشاف موريتانيا إلى تجربة تفاعلية، وربط ذلك ببرنامج وطني يهتم بقطاع السياحة، يمكن أن يمنح القطاع بعدا جديدا، خصوصا إذا نجح في تحفيز المواطنين على تكرار السفر الداخلي، واكتشاف وجهات مختلفة، والتعامل مع المؤسسات السياحية المحلية.

والأهم أن البرنامج يضع الجودة والتميز ضمن معادلة التحفيز، وهو أمر بالغ الأهمية؛ لأن بناء سياحة وطنية قوية لا يعتمد فقط على زيادة عدد الزوار، وإنما على تحسين ما يقدم لهم من خدمات.

فالوجهة السياحية لا تُبنى بالمواقع وحدها، وإنما بالموقع والخدمة والنظافة وحسن الاستقبال وسهولة الوصول وجودة الإقامة والتجربة التي يحملها الزائر معه عند المغادرة.

وهناك بعد آخر لا يقل أهمية، وهو البعد الثقافي والوطني. فالمواطن الذي يسافر داخل وطنه لا يستهلك خدمة سياحية فقط؛ بل يكتشف جزءا من ذاكرته الوطنية، ويتعرف على عادات ولهجات وثقافات محلية، ويرى تنوعا قد لا يكون متاحا له في حياته اليومية.

وهكذا تصبح السياحة الداخلية وسيلة لتعميق معرفة المواطن بوطنه، وتعزيز الشعور بالانتماء إليه، وإعادة اكتشاف ثروته الثقافية والطبيعية.

إن عبارة «وطني وجهتي» تكتسب هنا معنى الفضاء الذي نعرفه ونكتشفه ونستثمر فيه ونعتز بتنوعه. ومع ذلك، فإن تحويل هذه الرؤية إلى صناعة سياحية مستدامة يتطلب عملا متكاملا، فالدولة مطالبة بمواصلة تطوير البنية التحتية وتحسين البيئة التنظيمية، والقطاع الخاص مطالب بالاستثمار في الجودة والابتكار، والسلطات المحلية مطالبة بتسهيل المبادرات، والمجتمع المحلي مطالب بالمشاركة في حماية المواقع والتراث وحسن استقبال الزوار.

كما أن الإعلام أمامه دور أساسي في تغيير الصورة النمطية عن السياحة الداخلية، والتعريف بالوجهات الوطنية، وإبراز قصص النجاح والمبادرات المحلية. فالوجهة التي لا تُعرّف بنفسها جيدا قد تظل مجهولة، مهما كانت ثرية بالمقومات. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة محطة كيفه باعتبارها أكثر من افتتاح لموسم الخريف.

إنها محطة في مسار بدأ ينتقل فيه الخطاب السياحي الموريتاني من الترويج للمواقع إلى صناعة الوجهة، ومن تنظيم المواسم إلى بناء سوق سياحية داخلية، ومن دعوة المواطن إلى السفر إلى تحفيزه على اكتشاف وطنه بصورة مستمرة. وهذا هو البعد الذي يجعل «وطني وجهتي» جديرا بالتثمين، لأنه يربط بين المواطن والاقتصاد المحلي، وبين السياحة والتنمية، وبين اكتشاف الوطن وتعزيز الانتماء، وبين الترفيه وخلق فرص العمل.

أما «اكتشف موريتانيا»، فيمكن أن يمثل الخطوة التالية نحو ترسيخ هذه الديناميكية وتحويلها إلى ممارسة مستدامة.

إن الرهان الحقيقي ليس أن يزور المواطن موريتانيا مرة واحدة، بل أن يكتشف موريتانيا مرات متعددة، وأن يجد في كل مرة سببا جديدا للسفر، وتجربة جديدة تستحق الاكتشاف.

وحين تصبح كل ولاية قصة سياحية، وكل موسم فرصة اقتصادية، وكل رحلة داخلية استثمارا في الاقتصاد المحلي، فإن السياحة لن تكون مجرد قطاع خدمي، بل ستصبح إحدى الأدوات الذكية لبناء تنمية أكثر توازنا، وأكثر التصاقا بالمواطن، وأكثر قدرة على تحويل ثراء موريتانيا الطبيعي والثقافي إلى قيمة مضافة تعود بالنفع على الجميع.

إنها، في جوهرها، فلسفة تقول ببساطة وعمق إن اكتشاف الوطن يعتبر استثمارا فيه واستمتاعا به.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

ثلاثاء, 18/08/2026 - 01:40