حدث وتعليق/ من الشعار إلى المسار..حين تنشر الدولة تقرير رقابتها دعما للشفافية .،

الوئام الوطني : ليس أهم ما في التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة للفترة 2024–2025 أنه كشف عن اختلالات هنا أو هناك، فوجود الاختلالات في أي جهاز إداري أمر وارد، مهما بلغت درجة تطور مؤسساته. الأهم أن الدولة اختارت أن تكشف للرأي العام ما رصدته أجهزتها الرقابية، وأن تضع الأرقام والنتائج ومسارات المعالجة أمام المواطنين. وهنا تكمن القيمة السياسية والمؤسسية الكبرى لهذه الخطوة.
فالدولة التي تريد إخفاء مواطن الخلل لا تنشر تقارير أجهزتها الرقابية، ولا تعرض أمام الرأي العام حجم الأموال التي خضعت للتدقيق، ولا تكشف ما تم استرجاعه، وما هو قيد الاسترجاع، وما أحيل إلى القضاء، وما تتم تسويته إداريا.
أما أن يصبح تقرير جهاز رقابي رسمي وثيقة متاحة للنقاش العام، فذلك يعني أن الرقابة نفسها أصبحت جزءا من الشفافية، وأن نتائجها لم تعد شأنا داخليا محصورا في مكاتب الإدارة.
ومن هذه الزاوية تحديدا، ينبغي قراءة خطوة نشر تقرير المفتشية العامة للدولة في سياق أوسع من مجرد الأرقام التي تضمنها.
لقد رفع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، منذ وصوله إلى السلطة، سقف الخطاب المتعلق بمحاربة الفساد وتعزيز الحكامة، مؤكدا على ضرورة أن تتم معالجة الاختلالات من خلال المؤسسات والقانون، لا عبر الحسابات السياسية أو الانتقائية.
واليوم، تأتي عملية نشر تقرير المفتشية لتمنح هذا التوجه بعدا عمليا؛ إذ تنتقل الرقابة من مجرد ممارسة داخلية إلى معلومة عامة يمكن للمواطن والصحفي والباحث والبرلماني أن يطلع عليها ويناقشها ويقارن نتائجها عبر الزمن.
لكن قوة التقرير لا تعني أن أرقامه ينبغي أن تتحول إلى مادة للمبالغة. فقد خضعت مبالغ ضخمة تصل إلى 32.862 مليار أوقية جديدة للتدقيق، وبلغ الأثر المالي للاختلالات التي تم تحديدها أو تقديرها 2.375 مليار أوقية جديدة.
هذه أرقام كبيرة بلا شك، وتستحق التوقف عندها، لكنها تحتاج إلى قراءة مهنية دقيقة.
فالقول إن 2.375 مليار أوقية تم “نهبها” أو “اختلاسها” سيكون تجاوزا لما يقوله التقرير نفسه. وهذه ليست محاولة لتجميل الواقع أو التقليل من خطورة الاختلالات، وإنما هي أبسط قواعد القراءة الموضوعية للوثائق الرقابية.
فالاختلال قد يكون مخالفة في الإجراءات، أو ضعفا في التسيير، أو تقصيرا إداريا، أو نقصا في الكفاءة، أو عدم احترام للقواعد، وقد يكون في حالات أخرى فعلا يستوجب الإحالة إلى القضاء.
ولهذا فإن تحويل جميع هذه الحالات إلى كلمة واحدة هي “اختلاس” لا يخدم الشفافية، بل يسيء إليها.
وتتأكد الحاجة إلى هذه الموضوعية عند قراءة رقم 1.217 مليار أوقية جديدة، وهو الأثر المالي للملفات المحالة إلى القضاء.
وتعتبر الإحالة إلى القضاء خطوة مهمة، لأنها تعني أن هناك ملفات تستوجب تدقيقا قضائيا وتحديدا للمسؤوليات، لكنها لا تعني صدور حكم بالإدانة.
وهذه قاعدة قانونية لا تحتاج إلى تأويل: الإحالة ليست إدانة، والاشتباه ليس حكما، والرقم الوارد في ملف قضائي لا يصبح تلقائيا مالا مختلسا إلا بعد استكمال المسار القضائي وإثبات المسؤوليات وفق القانون.
ومن هنا، فإن احترام التقرير يعني احترام دلالات أرقامه، لا تحميلها ما لا تحتمل.
لكن ربما يكون الجانب الأكثر أهمية في التقرير هو أنه لا يتوقف عند رصد الاختلالات، بل يكشف أيضا عن مسارات التعامل معها. فقد تم استرجاع 411.4 مليون أوقية جديدة، بينما يوجد 327.1 مليون أوقية جديدة قيد الاسترجاع.
وبالتالي، فإن حوالي 31% من الأثر المالي للاختلالات تم استرجاعه بالفعل أو يوجد في طريقه إلى الاسترجاع، وهنا تظهر قيمة الرقابة الحقيقية.
وعليه فإن الرقابة الناجحة ليست التي تكتشف الخلل فقط، وإنما التي تحول نتيجة التفتيش إلى تصحيح واسترداد ومساءلة ووقاية من التكرار.
كما أن نحو 27% من الأثر المالي يخضع للتسوية الإدارية، وهو ما يؤكد أن طبيعة الاختلالات متعددة، وأن جزءا منها لا يتعلق بالضرورة بجرائم مالية، وإنما بمشكلات في التسيير والإجراءات والكفاءة والامتثال. وهذه الصورة المركبة هي التي يجب أن تحكم النقاش العام.
ويبقى الأهم من كل هذه الأرقام أن موريتانيا تبدو أمام مسار يتجه تدريجيا نحو بناء منظومة رقابية أكثر انتظاما.
فالتوجه نحو رقمنة الصفقات العمومية، وتطوير منصة لمتابعة تنفيذ التوصيات، وإعداد خرائط لمخاطر الفساد، وتصنيف الشركات، وتعزيز الإطار القانوني والمؤسسي، يعني أن محاربة الفساد باتت تُطرح باعتبارها عملية إصلاح طويلة الأمد.
وهنا تحديدا تكمن أهمية المقاربة التي يتبناها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والمتمثلة في أن تكون مواجهة الاختلالات عبر المؤسسات، وأن تكون أدوات الرقابة قابلة للاستمرار، بحيث لا تتوقف فعاليتها على الأشخاص أو الظروف السياسية.
فمكافحة الفساد الحقيقية لا تُقاس بعدد التصريحات القوية، وإنما بقدرة المؤسسات على الوقاية والكشف والتدقيق والمتابعة والاسترداد والمساءلة.
ومن الخطأ كذلك أن يُفهم نشر التقرير باعتباره دليلا على أن الإدارة خالية من الاختلالات؛ فالواقع الإداري أكثر تعقيدا، إذ أن الدولة التي تتطور ليست هي التي تدعي أن إدارتها بلا أخطاء، وإنما هي التي تمتلك أجهزة تستطيع اكتشاف الأخطاء، وقياس حجمها، وتحديد أسبابها، ومعالجتها، ومحاسبة المسؤولين عنها عندما يثبت وجود موجب للمساءلة.
ومن هنا، فإن وجود اختلالات في تقرير رقابي لا ينبغي أن يُقرأ تلقائيا باعتباره فشلا للدولة، بل يمكن أن يكون، في جانب منه، دليلا على أن أجهزة الدولة أصبحت أكثر قدرة على رؤية مكامن الخلل والوصول إليها.
والفارق كبير بين إدارة تخلو من التقارير لأنها لا تراقب، وإدارة تنشر تقاريرها لأنها تراقب وتدقق وتصحح.
إن المكسب الحقيقي في نشر تقرير المفتشية العامة للدولة لا يتمثل فقط في الأرقام الواردة فيه، وإنما في تكريس مبدأ بالغ الأهمية، وهو حق المجتمع في معرفة ما تقوم به أجهزة الرقابة، وكيف تتعامل الدولة مع الاختلالات التي تكشفها.
وهذا المبدأ، إذا استمر وتطور، يمكن أن يتحول إلى واحدة من أهم ركائز الحكامة في البلاد.
وتكمن الشفافية الحقيقية في أن تُظهر الدولة ما وجدته أجهزة الرقابة، بما فيه مما يحرج الإدارة، ثم تشرح كيف ستعالجه، وتشرع في معالجته، وهذا بالضبط ما يجعل نشر تقرير المفتشية خطوة تستحق التثمين.
فالدولة لا تكون قوية لأنها تقول إن كل شيء على ما يرام، وإنما لأنها تمتلك الشجاعة المؤسسية لتقول: هنا يوجد خلل، وهذا حجمه، وهذه الجهة المختصة بمعالجته، وهذا ما تم استرجاعه، وهذا ما هو قيد الاسترجاع، وهذه ملفات أحيلت إلى القضاء، فتلكم هي اللغة التي يمكن أن تبنى عليها ثقة مستدامة بين المواطن والدولة.
إن تقرير المفتشية العامة للدولة لا ينبغي أن يتحول إلى معركة أرقام بين من يريد تضخيمها ومن يريد التقليل منها.
إنه وثيقة رقابية ينبغي أن تُقرأ بعين الدولة، وبعقل الصحفي، وبمسؤولية المواطن.
فالاختلالات يجب أن تُعالج، والأموال العامة يجب أن تُصان، والمسؤوليات يجب أن تُحدد، والقانون يجب أن يأخذ مجراه.
وإذا كانت موريتانيا قد قطعت خطوة نحو توسيع الرقابة ونشر نتائجها، فإن التحدي الأكبر اليوم هو أن يتحول هذا المسار إلى ثقافة مؤسسية دائمة، تتراكم فيها التقارير، وتتطور فيها أدوات الرقابة، وتتحسن معها الإدارة، وتصبح الوقاية من الفساد جزءا أصيلا من طريقة عمل الدولة.
وهنا بالضبط تكمن القيمة الأبعد لتقرير المفتشية بأنه لا يقدم فقط صورة عما حدث، بل يفتح الباب أمام سؤال أهم بكثير: كيف نجعل الرقابة أكثر قوة، والشفافية أكثر عمقا، والإدارة أكثر كفاءة، ومؤسسات الدولة أكثر قدرة على حماية المال العام؟
إن الدولة التي تراقب نفسها، وتنشر نتائج رقابتها، وتتابع توصياتها، وتسترجع الأموال عند ثبوت موجب الاسترجاع، وتحيل الملفات التي تستوجب القضاء، هي دولة تبني آليات إصلاح تتجاوز الأشخاص والظروف. وهذا هو المكسب الذي ينبغي أن يُرى خلف أرقام التقرير، حيث انتقلت عملية محاربة الفساد من مجرد شعار إلى مسار مؤسسي قابل للاستمرار.

وكالة الوئام الوطني للأنباء

أحد, 16/08/2026 - 10:32