
تمضي موريتانيا بخطى متسارعة نحو بناء إدارة عمومية رقمية أكثر كفاءة وشفافية، في إطار رؤية إصلاحية شاملة تجعل من التحول الرقمي رافعة لتحديث الدولة وتعزيز الحكامة الرشيدة.
وفي هذا السياق، يأتي الاجتماع الذي ترأسه معالي وزير التحول الرقمي وعصرنة الإدارة، السيد أحمد سالم ولد بده، للجنة المكلفة بمتابعة تطوير النظام المندمج لتسيير الصفقات والمشتريات العمومية (SIGMAP)، ليؤكد أن مشروع رقمنة الصفقات العمومية دخل مرحلة التنفيذ الفعلي، بعد أن تجاوز مرحلة التصميم النظري إلى التطبيق الميداني.
ويعكس الاجتماع، الذي ضم مختلف الجهات المعنية بتنظيم ورقابة الصفقات العمومية، وجود تنسيق مؤسسي متكامل يهدف إلى ضمان نجاح المشروع، باعتباره أحد أهم مشاريع الإصلاح الإداري والمالي في البلاد.
وتمثل الصفقات العمومية أحد أكبر مجالات الإنفاق الحكومي وأكثرها حساسية، ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي لهذا القطاع ينعكس مباشرة على جودة الإنفاق العام وكفاءة تنفيذ المشاريع التنموية.
ومن هنا، فإن نظام SIGMAP يشكل تحولا جوهريا في فلسفة إدارة الصفقات، إذ سينقل جميع مراحل إبرام الصفقات من الإجراءات التقليدية المعتمدة على الملفات الورقية إلى منصة رقمية موحدة، تشمل التخطيط، وإعداد ملفات المنافسة، والإيداع الإلكتروني للعروض، ومتابعة مختلف مراحل المسطرة الإدارية.
ولا يقتصر هذا التحول على استبدال الورق بالحاسوب، بل يؤسس لمنظومة متكاملة تعتمد على السرعة والدقة والشفافية وإمكانية التتبع الإلكتروني لكل خطوة من خطوات إبرام الصفقة.
وتكشف الأرقام التي تحققت خلال المرحلة الأولى عن نجاح ملموس في تبني النظام الجديد داخل مختلف المؤسسات العمومية. فقد أصبح النظام الوسيلة الحصرية لبرمجة جميع الصفقات العمومية، وهو ما يعني توحيد آليات التخطيط لأول مرة على المستوى الوطني.
كما أسهم إطلاق البوابة الموحدة للصفقات العمومية في إتاحة المعلومات المتعلقة بخطط الصفقات بصورة فورية أمام العموم، وهو تطور يعزز مبدأ الشفافية ويمنح الفاعلين الاقتصاديين إمكانية الاطلاع المبكر على الفرص المتاحة.
وتُبرز الأرقام حجم الانتشار الذي حققه النظام حتى الآن، حيث عكست هذه المؤشرات انتقال المشروع من مرحلة التجربة المحدودة إلى الاستخدام المؤسسي الواسع.
ومن أبرز المزايا المنتظرة للنظام الجديد إدخال مكون الإيداع الإلكتروني للعروض، والذي يمثل نقلة نوعية في علاقة الإدارة بالمتعاملين الاقتصاديين.
فالإيداع الإلكتروني يقلص الاحتكاك المباشر بين الإدارة والمتنافسين، ويوفر معاملة موحدة لجميع المشاركين، ويحد من الأخطاء الإجرائية، ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص، كما يرفع مستوى الثقة في منظومة الصفقات العمومية.
وتتيح المنصة كذلك الاحتفاظ بسجل إلكتروني كامل لجميع العمليات، بما يسهل عمليات الرقابة والتدقيق والمساءلة، ويعزز قدرة الجهات المختصة على تتبع مختلف مراحل إبرام وتنفيذ الصفقات.
ولا تقتصر فوائد المشروع على الإدارة العمومية وحدها، بل تمتد إلى القطاع الخاص والمستثمرين، إذ إن وضوح الإجراءات وسهولة الوصول إلى المعلومات واختصار الزمن الإداري تمثل عناصر أساسية لتحسين مناخ الأعمال.
فالمنصات الرقمية الموحدة تمنح المؤسسات الوطنية والأجنبية رؤية أوضح للفرص الاستثمارية، وتقلل من التعقيدات البيروقراطية، وهو ما ينعكس إيجابا على تنافسية الاقتصاد الوطني وجاذبيته للاستثمار.
ويتناغم مشروع SIGMAP مع السياسة العامة للدولة الرامية إلى تعميم الخدمات الرقمية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتحسين أداء المرافق العمومية.
كما يعكس حرص السلطات العمومية على بناء إدارة أكثر فعالية تعتمد على البيانات والتقنيات الحديثة، بدل الإجراءات التقليدية التي غالبا ما كانت تستهلك الوقت والجهد وتحد من سرعة الإنجاز.
ويؤكد إشراك سلطة تنظيم الصفقات العمومية، واللجنة الوطنية لرقابة الصفقات، ومستشار الوزير الأول، وبرنامج “وارديب”، أن المشروع يحظى بإسناد مؤسسي وفني واسع، بما يعزز فرص نجاحه واستدامته.
ومع اقتراب تشغيل المكونات الجديدة الخاصة بتسيير ملفات طلبات المنافسة والإيداع الإلكتروني للعروض، تبدو موريتانيا على أعتاب مرحلة جديدة في إدارة المال العام، قوامها الرقمنة والشفافية والكفاءة.
ولئن كان نجاح المرحلة الأولى قد أثبت قابلية المؤسسات للتكيف مع النظام الجديد، فإن استكمال بقية المكونات سيجعل من SIGMAP منصة وطنية متكاملة لإدارة الصفقات العمومية، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية في الحوكمة الرقمية، ويعزز ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين في الإدارة العمومية، ويكرس التحول الرقمي باعتباره خيارا استراتيجيا لتحديث الدولة ودعم التنمية المستدامة.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)