
يشكل إطلاق وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية لأعمال اللجان القطاعية المكلفة بإعداد خطة العمل الثالثة والأخيرة للاستراتيجية الوطنية للنمو المتسارع والرفاه المشترك (SCAPP) للفترة 2026-2030 محطة مفصلية في مسار التخطيط التنموي بموريتانيا، إذ يأتي في مرحلة تشهد فيها البلاد تحولات اقتصادية متسارعة، مدعومة بإصلاحات هيكلية وإنجازات نوعية في قطاعات الإنتاج، بما يفرض الانتقال من مرحلة التشخيص وبناء السياسات إلى مرحلة تعميق المكاسب وتعزيز استدامتها.
ويعكس هذا المسار رؤية استراتيجية تسعى إلى تحويل النجاحات التي تحققت خلال السنوات الماضية إلى مشاريع تنموية متكاملة، قادرة على إحداث أثر اقتصادي واجتماعي مستدام، وتحقيق تنمية أكثر شمولا وعدالة في مختلف ولايات البلاد.
ويكتسب انعقاد اللجنة القطاعية الأولى، المخصصة للقطاعات الإنتاجية، أهمية استثنائية بالنظر إلى أنها تضم القطاعات الأكثر ارتباطا بإنتاج الثروة الوطنية، من الزراعة والتنمية الحيوانية والصيد، إلى الصناعات الاستخراجية والتحويلية، مرورا بالتجارة والسياحة والصناعة التقليدية. وهذه القطاعات تمثل الركائز الأساسية لأي تحول اقتصادي حقيقي، لأنها تنتج القيمة المضافة، وتخلق فرص العمل، وتعزز الصادرات، وتحد من الاعتماد على الواردات.
لقد أبرز التشخيص التنموي الذي استندت إليه الوزارة مؤشرات إيجابية تؤكد أن الاقتصاد الوطني بدأ يجني ثمار الإصلاحات والسياسات العمومية خلال السنوات الأخيرة. فبلوغ الاكتفاء الذاتي من مادة الأرز يمثل تحولا استراتيجيا في مجال الأمن الغذائي، فيما يعكس النمو المتواصل لإنتاج الخضروات نجاح السياسات الرامية إلى دعم الزراعة الوطنية وتعزيز الإنتاج المحلي.
كما أن التطور المسجل في قطاع الثروة الحيوانية يفتح آفاقا واسعة لتطوير الصناعات المرتبطة بهذا القطاع، بما في ذلك الصناعات الغذائية والجلدية، وهو ما يضاعف القيمة الاقتصادية للثروة الحيوانية ويحولها من مورد خام إلى قاعدة لصناعة وطنية واعدة.
وفي قطاع الطاقة، يشكل دخول موريتانيا نادي الدول المنتجة للغاز الطبيعي نقطة تحول تاريخية، ليس فقط لما يوفره من موارد مالية إضافية، وإنما لما يتيحه من فرص لإقامة صناعات تحويلية تعتمد على الطاقة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين البنية التحتية الصناعية.
أما النتائج القياسية التي حققتها الصناعات الاستخراجية، فتؤكد أن البلاد أصبحت تمتلك قاعدة اقتصادية أكثر قوة، غير أن التحدي الأكبر لم يعد يتمثل في استخراج الموارد الطبيعية، وإنما في تعظيم قيمتها المضافة داخل الاقتصاد الوطني، وهو ما انسجم مع الرسالة المركزية التي أكدها المدير العام للسياسات واستراتيجيات التنمية، ومفادها أن الثروة الحقيقية لا تكمن في وفرة الموارد وحدها، بل في حسن استغلالها وتثمينها محليا، وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة بها.
وهذا التوجه يعكس تحولا نوعيا في الفكر الاقتصادي للدولة، إذ لم تعد التنمية تُقاس فقط بحجم الإنتاج أو الصادرات، وإنما بقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل ذات جودة، ورفع الإنتاجية، وتوطين الصناعات، وتعزيز المحتوى المحلي، وهو ما يمثل أحد أهم مرتكزات الاقتصادات الصاعدة.
كما أن ربط إعداد هذه الخطة الثالثة بالتوجيهات السامية لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وببرنامجه “طموحي للوطن”، يمنحها بعدا استراتيجيا واضحا، باعتبارها أداة عملية لتنزيل رؤية تستهدف بناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على الصمود في مواجهة التقلبات الخارجية، وأكثر قدرة على تحقيق الرفاه المشترك لجميع المواطنين.
ويبرز في هذا السياق الدور المحوري الذي تضطلع به حكومة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي، من خلال تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى برامج تنفيذية وإصلاحات عملية، تستند إلى التخطيط العلمي، وإشراك مختلف القطاعات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين، بما يعزز التنسيق ويضمن تكامل الجهود.
كما أن اعتماد المقاربة التشاركية في إعداد الخطة، عبر إشراك مختلف القطاعات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين وأطر وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية، يعكس توجها حديثا في إدارة السياسات العمومية، يقوم على الحوار والتشاور والاستفادة من الخبرات الوطنية، بما يرفع من جودة التخطيط ويعزز فرص نجاح التنفيذ.
ومن المتوقع أن تركز المرحلة المقبلة على تحديد أولويات الإصلاح الهيكلي، واختيار المشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي المباشر، مع إعطاء الأولوية للمشاريع القادرة على خلق فرص العمل، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وهو ما ينسجم مع أهداف رؤية موريتانيا التنموية في أفق 2030.
وفي المجمل، فإن انطلاق إعداد خطة العمل الثالثة والأخيرة للاستراتيجية الوطنية للنمو المتسارع والرفاه المشترك يمثل خطوة جديدة في مسار بناء اقتصاد وطني حديث، قائم على الإنتاج والتنافسية وتثمين الموارد الوطنية. كما يؤكد أن موريتانيا تمضي بثبات نحو ترسيخ نموذج تنموي يجعل من التخطيط الاستراتيجي والإصلاح الهيكلي والاستثمار في القطاعات الإنتاجية أدوات رئيسية لتحقيق النمو المستدام، وتعزيز الرفاه المشترك، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التحديات واستثمار الفرص، بما ينسجم مع الطموحات الوطنية وآفاق التنمية حتى عام 2030.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)