
لم يكن من قبيل الصدفة أن يأتي قرار اعتماد اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية المعتمدة في اجتماعات ومداولات وكالة سلامة الملاحة الجوية في إفريقيا ومدغشقر (آسكنا) في هذه المرحلة التي تشهد فيها الدبلوماسية الموريتانية حضورا متزايدا داخل الفضاءين الإفريقي والدولي، ولا أن تكون موريتانيا في طليعة من دافعوا عن هذا التوجه حتى أصبح قرارا يحظى بإجماع الدول الأعضاء. فمثل هذه الإنجازات لا تُصنع في قاعات الاجتماعات وحدها، بل هي ثمرة رؤية سياسية، وعمل دبلوماسي متواصل، وقدرة على بناء الثقة وصناعة التوافق.
لقد ظلّت موريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي وامتدادها الحضاري، تمثل نقطة التقاء بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما منحها خصوصية جعلتها مؤهلة للقيام بدور الجسر الذي يربط بين فضاءين تجمعهما المصالح المشتركة والتاريخ المتداخل.
ومن هذا المنطلق، فإن دفاعها عن حضور اللغة العربية داخل مؤسسة إفريقية بحجم “آسكنا” لم يكن دفاعا عن اللغة العربية فحسب، وإنما عن مبدأ الإنصاف في التمثيل، وعن حق الدول الأعضاء في أن تجد لغاتها الوطنية والرسمية مكانها الطبيعي داخل مؤسساتها المشتركة.
وتبرز أهمية هذا القرار في كونه يعكس نضجا متزايدا داخل المؤسسات الإفريقية، التي باتت أكثر وعيا بأن نجاح التكامل القاري لا يتحقق إلا من خلال احترام التنوع اللغوي والثقافي الذي يميز القارة. فإفريقيا ليست فضاء أحادي اللغة أو الثقافة، وإنما قارة متعددة الهويات، وتزداد مؤسساتها قوة كلما استطاعت استيعاب هذا التنوع وتحويله إلى مصدر إثراء للعمل المشترك.
ومن هنا، فإن اعتماد العربية يمثل تصحيحا لمسار مؤسسي طال انتظاره، ويمنح ملايين الناطقين بها داخل القارة مساحة أوسع للمشاركة في النقاشات الفنية وصناعة القرار، كما يفتح الباب أمام الاستفادة بصورة أكبر من الكفاءات والخبرات العربية في مجالات الملاحة الجوية والطيران المدني، بما يخدم أهداف الوكالة في تطوير خدماتها والارتقاء بمعايير السلامة والأمن.
لقد نجح الوفد الموريتاني، بقيادة معالي وزير التجهيز والنقل السيد أعل ولد الفيرك، وبدعم من الخبرات الوطنية في قطاع الطيران المدني، في إدارة هذا الملف بروح الحوار والتنسيق والإقناع، بعيدا عن منطق الاستقطاب أو فرض المواقف. وهو ما يعكس مدرسة دبلوماسية تقوم على بناء التوافقات، واحترام الشركاء، والرهان على قوة الحجة بدل صخب الشعارات.
ويأتي هذا النجاح امتدادا لمسار شهد خلال السنوات الأخيرة حضورا موريتانيّا أكثر فاعلية داخل المنظمات الإقليمية والقارية، بفضل رؤية يقودها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تقوم على تعزيز مكانة موريتانيا في محيطها الإفريقي، والانفتاح على مختلف الشركاء، والدفاع عن المصالح الوطنية بروح المسؤولية والاعتدال، مع الحرص على أن تكون البلاد عنصرا فاعلا في إنتاج الحلول وصناعة المبادرات.
وقد أفرز هذا النهج نتائج ملموسة في أكثر من قطاع، سواء في مجالات الأمن والتنمية والاقتصاد، أو داخل المؤسسات الفنية المتخصصة، حيث أصبحت الكفاءات الموريتانية تحظى بثقة متزايدة، وأصبحت المبادرات التي تتقدم بها بلادنا تجد آذانا صاغية لما تتميز به من واقعية، واحترام لخصوصيات الدول، وسعي دائم إلى تحقيق المصالح المشتركة.
ويؤكد هذا الإنجاز كذلك أن الدبلوماسية لم تعد حكرا على وزارات الخارجية وحدها، بل أصبحت مختلف القطاعات الحكومية تمارس ما يعرف بالدبلوماسية القطاعية، من خلال حضورها الفاعل داخل المنظمات المتخصصة، والدفاع عن مصالح البلاد في مجالات النقل والطاقة والصيد والمعادن والبيئة وغيرها. وهي مقاربة أثبتت نجاعتها في توسيع دائرة التأثير الموريتاني وتعزيز حضوره في مواقع صنع القرار.
ويمثل اعتماد اللغة العربية داخل “آسكنا” بداية مرحلة جديدة، عنوانها حضور عربي أكثر قوة داخل المؤسسات الإفريقية، ومشاركة أوسع للكفاءات والخبرات، وتكريس لقيم العدالة اللغوية والتنوع الثقافي التي تشكل أحد أسس الاتحاد الإفريقي والعمل القاري المشترك.
ولعل أهم ما يرسخه هذا القرار هو أن النفوذ الحقيقي للدول بات يقاس بقدرتها على التأثير في الأفكار، وصياغة القرارات، وترسيخ المبادئ التي تؤمن بها. وفي هذا المضمار، تثبت موريتانيا مرة أخرى أن الدبلوماسية الهادئة، المدعومة برؤية استراتيجية وكفاءات وطنية مؤهلة، قادرة على تحقيق مكاسب نوعية تعزز مكانة البلاد، وتخدم محيطها العربي والإفريقي في آن واحد.
ويؤكد هذا الإنجاز أن موريتانيا أصبحت فاعلا مؤثرا في المؤسسات الإفريقية، وشريكا يحظى بالاحترام، وصوتا يدافع عن قيم الإنصاف والتعددية والتكامل. وهي مكاسب تعزز رصيد الدولة، وتفتح آفاقا جديدة أمام حضورها في مختلف دوائر العمل الإقليمي والدولي، بما ينسجم مع طموحها في ترسيخ مكانتها جسرا للتواصل بين إفريقيا والعالم العربي، ورافعة للعمل المشترك القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)