حدث وتعليق/ من الجاهزية إلى الشراكة.. موريتانيا تواجه الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم، وما تفرضه ظاهرتا الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر من تحديات أمنية وإنسانية متشابكة، تبرز المقاربة الموريتانية بوصفها نموذجا يسعى إلى الجمع بين الحزم الأمني والبعد الإنساني، بعيدا عن المعالجات الظرفية أو الأحادية.

وتأتي المناورة الميدانية المشتركة، التي شاركت فيها وحدة الرد السريع التابعة للدرك الوطني إلى جانب مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية وشركاء إنسانيين، لتؤكد أن مكافحة هذه الظواهر لم تعد عملا قطاعيا، بل جهدا وطنيا منسقا ومتعدد الأبعاد.

وتكمن دلالة هذه المناورة في الرسائل العميقة التي تحملها حول مستوى الجاهزية العملياتية، ونضج التنسيق المؤسسي، والقدرة على العمل المشترك في ظروف معقدة. فمشاركة الدرك الوطني، والبحرية الوطنية، وخفر السواحل، والشرطة الوطنية، والمندوبية العامة للأمن المدني وتسيير الأزمات، تعكس وعيا رسميا بأن شبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر عابرة للحدود ومتعددة الأساليب، ولا يمكن مواجهتها إلا بتكامل الجهود وتوحيد غرف القرار الميداني.

وتكتسب التجربة الموريتانية أهمية خاصة بالنظر إلى موقع البلاد الجغرافي، الذي يجعلها معبرا محتملا لمسارات الهجرة في اتجاه الشمال، ما يفرض مسؤوليات مضاعفة تتجاوز البعد الوطني إلى الإسهام في الأمن الإقليمي.

غير أن اللافت في هذه المقاربة هو الحرص على إدماج المنظمات الإنسانية ضمن التمارين الميدانية، في إشارة واضحة إلى أن حماية الحدود لا تنفصل عن حماية الإنسان، وأن إنفاذ القانون يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع احترام الكرامة الإنسانية والالتزامات الدولية.

كما أن تركيز المناورة على تسيير أوضاع المهاجرين والتكفل بهم وفق الأطر القانونية والإنسانية المعمول بها، يكشف عن انتقال السياسة العمومية من منطق الردع المجرد إلى منطق الإدارة الشاملة للظاهرة، بما يشمل الوقاية، والحماية، والملاحقة القانونية لشبكات الاتجار، دون إغفال أوضاع الضحايا واحتياجاتهم. وهذا التحول يعزز صورة الدولة كفاعل مسؤول، يدرك تعقيدات الملف ولا يختزله في بعد أمني ضيق.

ومن زاوية أخرى، أبرزت مشاركة وحدة الرد السريع مستوى الاحترافية التي بلغتها وحدات الدرك الوطني، سواء من حيث الجاهزية أو القدرة على الاندماج السلس ضمن منظومة عمل مشتركة. وهو مؤشر على استثمارات متراكمة في التكوين، والتجهيز، وتطوير العقيدة الأمنية، بما يتلاءم مع التحديات المستجدة ذات الطابع العابر للحدود.

وتعكس هذه المناورة الميدانية توجها استراتيجيا واضحا لدى موريتانيا قوامه الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى بناء منظومة مستدامة لمكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر. منظومة تراهن على التنسيق المؤسسي، والشراكة مع الفاعلين الإنسانيين، والتوازن بين الأمن والحقوق، بما يعزز الاستقرار الوطني ويكرس دور البلاد كشريك موثوق في مواجهة إحدى أعقد القضايا التي يفرضها الواقع الإقليمي والدولي.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

سبت, 04/07/2026 - 16:40