
الوئام الوطني : في مقاربة تجمع بين الحزم الأمني والبصيرة السياسية، رسّخت الدولة الموريتانية خلال السنوات الأخيرة نموذجا لافتا في التعاطي مع ملف السلفية الجهادية.. نموذجا يبتعد عن منطق الاستنزاف والمواجهة الصفرية، ويتجه بدلا من ذلك إلى تحييد المخاطر وتجفيف منابع التطرّف عبر الحوار والمراجعات وإعادة الإدماج.
لقد جاء العفو الرئاسي عن سجناء السلفية ثمرة لمسار طويل من الحوار العميق الذي قاده العلماء مع هذه الفئة.. حوارٌ لم يكتفِ بتفكيك البُنى الفكرية المغلقة، بل نجح في فتح نوافذ المراجعة والتوبة والعودة إلى جادة الاعتدال. ولم يكن هذا الخيار وليد تهاون أو ضعف، بل نتاج قراءة دقيقة لتجارب المنطقة، حيث أثبتت الوقائع أن المقاربة الأمنية الصلبة وحدها، وإن كانت ضرورية، لا تكفي لضمان أمن مستدام.
وخلافا لما شهدته دول جوار دفعت أثمانا باهظة من دماء أبنائها واستقرارها، نجحت موريتانيا في فرض هدنة غير متفق عليها مع الجماعات السلفية، جنّبت البلاد سيناريوهات الفوضى والتدخلات الخارجية التي غالبا ما تجد في النزاعات الداخلية بيئة خصبة للتمدد.
هذه "الهدنة" لم تكن تنازلا عن هيبة الدولة، بل تكريسا لسلطتها من خلال استباق الخطر بدل ملاحقته بعد انفجاره.
وفي هذا السياق، شكّل دعم السجناء السابقين الذين أعلنوا مراجعاتهم الفكرية وتوبتهم الصريحة خطوة محورية في تثبيت هذا الخيار. إذ جرى تسهيل إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي، والتعامل معهم كمواطنين عادوا إلى كنف الدولة، بدل محاصرتهم إلى الأبد بأخطاء الماضي. وهي سياسة أثبتت نجاعتها في تقليص احتمالات الانتكاس، لأن العزل والإقصاء غالبا ما يكونان وقودا للتطرف، لا علاجا له.
لقد أظهرت التجارب أن المجابهة بالقوة وحدها قد تولّد ردود فعل انتقامية لا تنتهي، وتفتح أبواب البلاد أمام صراعات ممتدة وتدخلات أجنبية، وهو ما تنبّهت له القيادة السياسية في الوقت المناسب. فبعد الحزم، جاء العفو، وبعد الردع، فُتح باب الصفح، في توقيت محسوب بعناية، حينما أصدرت المجموعة المستفيدة من العفو بيان توبة واضحا، تعهّدت فيه بانتهاج الوسطية والاعتدال، وطاعة ولي الأمر في المعروف.
إن هذه المقاربة المتوازنة تعكس حكمة وبعد نظر فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي اختار أن يجعل من الأمن وسيلة لحماية السلم الأهلي، لا ذريعة لتوسيعه دائرة الصراع.
وهكذا، قدّمت موريتانيا نموذجا يُحتذى به في إدارة الملفات الشائكة، وهو النموذج الذي يؤكد أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالحوار، والعدالة، وفتح أفق الأمل أمام من اختاروا العودة إلى خدمة الوطن وحضن المجتمع.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)