من موريتانيا إلى فلسطين: أحمد ولد جدو عن تجربة أسطول الصمود

في 18 مايو 2026، اعترضت زوارق الحربية الإسرائيلية سفناً تابعة لأسطول الصمود العالمي في عرض البحر في المياه الدولية. وخلافاً لكل القوانين الدولية والبحرية، قامت بإيقاف سير السفن واعتلائها بقوة السلاح والتهديد، واختطاف كلّ من كان على متنها، أي نحو 420 من المناضلين والنشطاء.

أوقف كيان الاحتلال الإسرائيلي مهمّة أخرى من مهمّات أسطول الصمود الرامية إلى كسر الحصار عن غزة وإيصال المساعدات الإنسانية إليها، والتضامن مع أهلها، وخرجت صور ومقاطع فيديو، ومن ثمّ شهادات مروِّعة عديدة من نشطاء الأسطول عن الاعتداءات الإسرائيلية التي تعرضوا لها أثناء احتجازهم.

كان من ضمن المطلَق سراحهم الصحافي والمناضل أحمد ولد جدو..

 

 يُبحرون ومعهم وجدان كلّ حرّ في العالَم

وصل أحمد في أواخر  مايو إلى وطنه موريتانيا سالماً، بعد أن مكث مدة في إسطنبول للعلاج من كسر في الذراع تسبب به جنود الاحتلال الإسرائيلي أثناء سجنه ورفاقه، وقد شاركنا تفاصيل رحلة الأسطول والاختطاف والعودة، من زاوية تجربته الشخصية فيها، كما أجاب على أسئلتنا حول ما حفّزه للذهاب في الأصل في تلك الرحلة، وما بقي معه من أفكار ومشاعر وقناعات خلالها وبعدها.

في ما يلي تفاصيل شهادته.

****

كيف وُلِدت فكرة المشاركة في أسطول الصمود؟

بالنسبة لي كان موضوع كسر الحصار على غزة شغلي الشاغل. وهو حصار لم يبدأ في السابع من أكتوبر، بل قبله بسنوات. كنت دائم السؤال عن طريقة المشاركة عبر السنوات، وتمنيتُ وجودي مع الأسطول لأنني رأيت فيه جهداً عالمياً جباراً لمؤازرة أهلنا في غزة وفلسطين ولفضح الكيان الصهيوني. ومع الوقت، بدأت تلك الرغبة بالتجسد عملياً وفعلياً.

عندما انطلقت القافلة المغاربية الأولى البرية من تونس، لم أكن قد خططت للمشاركة فيها لأنني لم أعلم بها إلا بعد فوات الأوان. ندمت لأنني لم أحضّر لها، تضاعفت رغبتي بالمشاركة.

بعد شهور، أُعلن عن التخطيط لأسطول قادم ينطلق من برشلونة نحو غزة. اتصلتُ بالمجموعة الموريتانية التي أسست تنسيقية اسمها "تنسيقية الصمود الموريتانية"، وانخرطتُ فيها عضواً ناشطاً، من أجل المشاركة في الأسطول الذي كان مخططاً انطلاقه في أيلول/سبتمبر 2025 من تونس.

الوفد الموريتاني المشارك في أسطول الصمود الثاني.

وبالفعل، سافرنا في آخر آب/ أغسطس إلى تونس، حيث خضنا تدريبات ودورات قانونية ومعلومات عامة حول الإبحار. كان لي مقعد في إحدى السفن، لكن قبل الانطلاق، ارتأى المنظِّمون أن كثيراً من السفن المجهّزة غير صالحة للإبحار، وكانت منها سفينتي، وللأسف لم يعد لي مكان.

كان حزني كبيراً جداً، لكنني قلت "معلشّ، سأكون صوتاً لهذا الأسطول ولهؤلاء الأشخاص".

تجربتي في تونس كانت جميلة ومهمة. رأيت ناساً من جميع الأعراق والأديان والأفكار والجنسيات يتحالفون من أجل كسر الحصار عن غزة. هذه هي فكرة الأسطول أساساً والتي شدتني له: أن العالم "الطبيعي" يقف يداً بيد دعماً لغزة، ودعماً لفلسطين، وفي وجه الكيان الصهيوني. أعتقد أنني كإنسان فيه أي شيء من بذوز الإنسانية لا ينبغي لي أن أتقاعس عنه. وهكذا كان، بعد أن خسرت مقعدي في أسطول الصمود الأول، صرت صوت الأسطول، وحفّزتني التجربة لأن أحضّر جيداً لأي أسطولٍ قادم.

إصراري على المشاركة دوافعه إنسانية، وقد شاركتُ في الأسطول الثاني. أنا مؤمن بأن العالم يجب أن يتحرك كي تتوقف الإبادة الجماعية في غزة وتتحرر فلسطين. من العار على البشرية أن تبقى ساكتة أمام جريمة إبادة طال زمنها. بما أنني إنسان، وبما أن أهل فلسطين وأهل غزة هم أهلي، لا يجوز أن أعيش يومي بشكل روتيني طبيعي. أطفال غزة يستحقون أياماً عادية، يستحقون تعليماً، يستحقون دواء، ويستحقون العيش بكرامة. كما أهل غزة من المسنين، من النساء والرجال جميعاً. أهل غزة يستحقون الحياة.

الاختطاف

في صبيحة يوم الإثنين 18 أيار/مايو، خامس يوم من إبحارنا على متن سفن أسطول الصمود الثاني، وصلنا إشعار بأن قوات الاحتلال قد تقوم باعتراض السفن. أمرنا قائد السفينة بأن نتجهز لذلك، فارتدينا سترات النجاة وجلسنا بجانب المحرك في شرفة السفينة ننتظر. كان الجو هادئاً بيننا، فنحن نتوقع هذا الفعل من قبلهم.

كانت ليتيسيا، السيدة الفرنسية معنا على الأسطول، تغنّيRien de rien ("لست نادمة على شيء"، وهي أغنية للمغنية الفرنسية إيديت بياف)، فيما كان إسماعيل، زميلنا المغربي، يغني لفيروز "يا قدس يا مدينة الصلاة" (من أغنية "زهرة المدائن").

من جانبي، كنت أحاول تطبيق بعض النصائح التي تلقيتها من الوالدة والخالة، والبقاء هادئاً. كنا نشاهد من بعيد بارجة أو سفينة حربية إسرائيلية كبيرة، ثم بعد نحو ساعتين من الانتظار، اقترب منّا زورق البحرية الإسرائيلية.

كنا قد تجهّزنا قبل وصوله للإجراءات. ثمة بروتوكول يجب تطبيقه، وهو رمي جميع الهواتف في البحر، فقمنا بذلك. وعندما وصلوا، طلبوا منا أن ننبطح في مقدمة السفينة، ففعلنا.

على متن إحدى سفن الأسطول..

قاموا بتفتيشنا، ثم طلبوا منا أن ننتقل واحداً تلو الآخر إلى جانب آخر من السفينة، مع إبقاء رؤوسنا مطأطأة والنظر إلى البحر. بعد ذلك، نقلونا إلى زورق سريع، ومنه إلى سفينة كبيرة. كان مظهر السفينة أشبه بمشهد هوليوودي! على متنها كان يقف الجنود مدججين بالسلاح. أدخلونا إلى تلك السفينة وبدأوا إجراءات الإدخال إلى السجن المعدّ فيها.

كانت الإجراءات تبدو عادية، إلا أنّ أحدهم كان يمسك بأحدنا ويضع يده بين الذراع والكتف ويعصره بقوة خلال مراحل تسجيل دخولنا إلى السفينة (السجن). كنت أنا الموقوف رقم 47، فقد وصلتْ قبلي مجموعة أخرى، وأعتقد أن سفينتنا التي تم إيقافها كانت الخامسة في سلسلة سفن أسطول الصمود التي أوقفت.

في السجن العائم

كان سجناً عائماً يتكوّن من خمس حاويات، تتوسطها ساحة يمكن رؤية السماء منها. كانت الحاويات هي السجن نفسه، وفي مكان عالٍ فوقنا، يقف الجنود الإسرائيليون المدججون بالسلاح. كانت الحاويات مكتظة بنا، ثم ازداد اكتظاظها مع وصول المزيد من نشطاء الأسطول.

أمضينا يومين في ذلك السجن فيما جَمع الجنود جميع النشطاء الذين كانوا على متن سفن الأسطول. كانوا يرمون لنا بعض الماء والخبز، وكنا نعتمد أساساً على شرب الماء.

داخل ساحة السجن العائم، كان بعض النشطاء يرددون "بيلا تشاو" (أغنية إيطالية استخدمتها حركات مناهِضة للفاشية)، ويهتفون "فري بالستاين" (الحرية لفلسطين)، فيملأون الأجواء حماسة.

مقالات ذات صلة

 أسطول الصمود: لم تنتهِ المهمّة

كان بعض النشطاء يصلّون داخل الساحة، وهو ما كان يزعج جنود الاحتلال، حتى أنهم أحياناً كانوا يطلقون علينا الرصاص المطاطي، وقد أُصيبت بالفعل سيدة فرنسية كانت معنا برصاصة مطاطية. كما حُرمنا لفترة من الخروج إلى الساحة، وبعد احتجاجات ومفاوضات، عادوا وسمحوا بذلك. أمضينا يومين في ذلك السجن، ثم بعد جمع الجميع نُقلنا إلى ميناء أسدود.

على أراضي فلسطين المحتلة.. والإصابة

حين وصلنا إلى ميناء أسدود بدؤوا بنقلنا من السفينة إلى داخل الميناء. كانت التعليمات أن نبقى مطأطئي الرؤوس، وكان الجميع يتعرضون للضغط على الأكتاف والرقبة من قبل الجنود، لكن البعض كان يتعرض للضرب أيضاً.

أما ما حدث لي شخصياً، فهو أن أحد عناصر قوات الاحتلال أمسك بذراعي ويدي ولوَى كلتيهما، وبمساعدة عنصر آخر، حملاني إلى الأعلى ثم أنزلاني بعنف. أثناء قيامهما بتلك الحركة، سمعت صوتَ كسرٍ في الذراع. ومنذ تلك اللحظة فقدت الإحساس بذراعي بالكامل، فلم أعد أشعر بالزند أو اليد أو الكتف.

بعد ذلك مباشرة ربطوا يديّ خلف ظهري بقيد بلاستيكي حاد جداً، وبدأت إجراءات الدخول إلى ميناء أسدود تمهيدًا للنقل إلى السجن في الصحراء.

أمرونا، وكل واحد منهم مسلّح، أن نجثو على ركبنا وأن ننظر إلى الأسفل في وضعية ركوع. لم أستطع تنفيذ ذلك بشكل طبيعي لأنّ يديّ كانتا مقيدتين خلف ظهري، فاضطررت إلى الركوع مرتكزاً على جبهتي. وخلال تلك الفترة، ونحن ركوع، شغّلوا نشيداً صهيونياً، كرروه لمدة ما أعتقد أنه أربع ساعات (كنوع من الضغط النفسي والتعذيب)، بينما قال لي ناشط آخر إنه استمرّ لستّ ساعات. نتيجة تلك الوضعية، ظهرت تشققات في ركبتيّ وسالت منها بعض الدماء، كما أصيبت جبهتي بخدوش طفيفة.

بعد ذلك طلبوا منا الوقوف، ووجدت صعوبة كبيرة في ذلك، فقاوموا بدفعي عنوة إلى المرحلة التالية، وهي الانبطاح أرضاً. بالنسبة لي، كانت تلك فترة راحة (مقارنة بالمرحلة التي سبقتها).

ثم استمرت إجراءات الدخول إلى الميناء والانتقال إلى السجن. كانت جميع المراحل تتضمن طأطأة الرأس والضغط على الكتفين والذراعين، وبما أنني كنت مصاباً، فقد يكون ذلك فاقم الإصابة. والمفارقة أنني لم أكن أشعر بيدي نهائياً، كانت كأنها نائمة.

مقالات ذات صلة

 قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: "احتفالات" إسرائيل بالموت

هناك، عرضوا عليّ وثيقة للتوقيع، وكانت تتضمن اعترافاً بأنني دخلت إسرائيل بصورة غير شرعية. رفضتُ التوقيع وطلبتُ محامياً، وبالفعل جاءت محامية من مكتب "عدالة" الحقوقي الفلسطيني، طلبتُ منها أولاً أن تسجّل أنني مصاب وأن يدي مكسورة، وقد فعلتْ ذلك. سألتها كيف أجيب على الأسئلة، فقالت لي: "لا تجب، وقل فقط: لا تعليق". وهذا ما فعلته في أغلب الأسئلة، خاصة الأسئلة الاستفزازية من قبيل: "لماذا قدمت وماذا قدمتم من مساعدات؟"، وما إلى ذلك.

وللتوضيح، عندما أُدخلت إلى السجن العائم بعد نقلي من سفينة الأسطول "إيزوبيلا"، نزعوا مني المعطف وتركوني بالقميص فقط، وهو ما أثر عليّ لاحقًا أثناء الجثو على الركبتين وتسبب في تشققات الركبتين. لكن، وفي المرحلة التي سبقت الترحيل إلى السجن الأخير، طلبوا مني نزع القميص والتيشيرت كذلك، وهو ما لم أستطع فعله لأنني لم أكن أتحكم في يدي، فضربوني ضربة واحدة على الكتف، ثم نزعوا الملابس عني، وبقيت بملابس داخلية فقط.

هناك، نزعوا القيود البلاستيكية من أيدينا المقيدة إلى الخلف، واستبدلوها بقيود حديدية في اليدين من الأمام. ثم نقلونا إلى عربة ترحيلات أقلّتنا إلى سجن آخر.

داخل عربة الترحيلات لم نكن نرى شيئاً من الطريق أو العالم في الخارج. وعندما وصلنا إلى السجن في الصحراء، أضافوا إلى قيودنا قيوداً في القدمين.

عندما طلبوا منا ارتداء زي السجن أخبرتهم أنني لا أستطيع التحكم في يدي وذراعي، فانزعجوا من ذلك، واضطروا إلى إلباسي زي السجن بأنفسهم.

طلبتُ طبيباً، ولم يكترثوا في البداية لطلبي، لكنهم بعد بعض الوقت عرضوني على طبيب، أكّد لي أن ذراعي مكسورة، فنزعوا عني القيود الحديدية. وبعد فترة وضعوا لي رباطًا قماشياً لتثبيت الذراع.

قضيت تلك الليلة في سجن الصحراء من دون قيود. وفي صباح اليوم التالي عُرِضت على قاضية، فسألتني إن كنت أرغب في العودة إلى بلادي، فأجبت: نعم، بالطبع.

الترحيل إلى إسطنبول

في صباح اليوم التالي بلّغونا قرار ترحيلنا إلى بلداننا. ركبنا عربات الترحيلات، وأعتقد أننا بقينا فيها نحو ست ساعات. لم نكن نعرف ما هي الوجهة. هل الأردن؟ أم مصر؟ أم أننا ما زلنا في مرحلة الإجراءات القانونية؟ كنا نتداول مختلف السيناريوهات.

بعد ساعات، لمح أحد النشطاء، الذي كان يجلس قرب السائق، مطاراً من خلال فتحة في ستائر الحافلة، فعرفنا أن الترحيل سيكون جواً. وبالفعل كانت ثلاث طائرات تركية بانتظارنا، ونُقلنا فيها إلى إسطنبول.

عندما ركبت الطائرة من مطار "رامون" في الأراضي المحتلة، كان معي طبيب إيطالي من رفاقنا المشاركين في الاسطول، وقد أوصى بضرورة أن تكون سيارة إسعاف في استقبالي عند باب الطائرة. وهذا ما حدث فعلاً عندما وصلنا إلى إسطنبول، حيث نُقلتُ مباشرة إلى المستشفى، وبدأوا الفحوصات والإجراءات الأولية.

في إسطنبول، حاولت الاتصال بعائلتي. عرض عليّ أحد الشباب، وأعتقد أنه كان فلسطينياً، استخدام تطبيق وتساب على هاتفه، لكنني للأسف لم أتمكن من تذكّر أيّ رقم من أرقام العائلة، أو لم أجدها.

ثم دخلتُ في سلسلة طويلة من الفحوصات الطبية، ففي البداية حاولوا تجبير الكسر، غير أن الصور أظهرت للأطباء أن هناك حاجة لعملية جراحية في الذراع.

بالفعل، أجروا لي عملية تضمنت شقاً طولياً في الذراع، ووضعوا صفيحتين معدنيتين بسبب الكسر. وحتى الآن تتحرك أصابع يدي بصعوبة، لكن الأطباء طمأنوني إلى أن العصب سليم، وأن الأمر يحتاج فقط إلى الوقت حتى تبدأ اليد بالتعافي.

دعم العائلة والمحبين والأصدقاء

في المستشفى في إسطنبول، تمكنت من الاتصال أخيرا بوالدتي، عندما زارني الشيخ محمد الحسن ولد الددو في العناية المركّزة، وهو كان دائم الاتصال بنا أثناء رحلة الأسطول، مُقدِّماً الدعم، أعطاني الشيخ هاتفاً وأجرى اتصال فيديو مع الوالدة، فتحدثت معها واطمأننت عليها وطمأنتها عني.

الإصابة في الذراع والكتف بعد العملية الجراحية في إسطنبول.

وبالنسبة لي كانت المهمة قد انتهت عند تلك اللحظة، فقد أكملت مهمتي مع الأسطول، واطمأننت على سلامة والدتي.

بعد يومين في العناية المركزة انتقلتُ إلى غرفة عادية، حيث زارني رفيقي الموريتاني، الشيخ محمد، وكان معي في الأسطول. وعلى الرغم من أنه لم يكن مصاباً، إلا أنه بقي بانتظاري لأتعافى، حتى نعود معاً إلى موريتانيا. رافقني ثلاثة أيام في المستشفى، وكان يتحمّل عني الكثير من الأمور، لأنني كنت أجد صعوبة حتى في النهوض من السرير. وكان بالفعل سنداً حقيقياً خلال تلك الفترة.

وفي اليوم الذي سبق عيد الأضحى، خرجتُ إلى منزل أصدقاء موريتانيين في تركيا: عدنان والحاج والحسن وعبد الرحمن. كانوا نِعم السند. وفي يوم السبت 30 أيار/مايو، سافرت أخيراً إلى نواكشوط.

عودة مختلفة إلى الوطن

عندما غادرت موريتانيا، لم أخبر أحداً من العائلة بسفري مع الأسطول إلا والدتي التي أخبرتني أنها لا يمكن أن تعترض على فعلٍ نبيل مثل هذا، وأحاطتني بالدعم والتشجيع، فذهبتُ. لم أعلن مشاركتي إلا حين ركبت سفينة "إيزوبيلا"، خوفاً من أن تتكرر تجربة تونس.

عدت وأنا أحمل ذراعي المكسورة، وكنت أنتظر تلك اللحظة بشوق فقط لطمأنة والدتي عليّ. فعلى الرغم من مهاتفتها من إسطنبول، علِمت أنها لن تطمئن كلياً حتى أطمئنها بنفسي، وتراني حاضراً أمامها. وهي بالتأكيد قلقت أكثر عندما رأت الجميع يخرجون من الطائرة في إسطنبول، ولم تجدني بينهم.

تم استقبالي بفرح في المطار بوجود الأصدقاء والعائلة والنشطاء، وقد كانت عودة مختلفة فعلاً، لأنها عودة إلى عائلتي بعد قلق، ولأنها عودة إلى بلدي بعد نضال مهمّ أحرج الكيان الصهيوني.

ماذا بقي من هذه التجربة؟

لقد زادت هذه التجربة قناعتي بأن هذا الكيان أصبح معزولاً، وأصبح يفتك ويبطش بشكلٍ أشنع، وهو الآن في حالة ذعر.

كان هناك تصوّر بأن هذا الكيان يتعامل مع الأشخاص من جنسيات من جنوب الكرة الأرضية بشكلٍ أعنف من تعامله مع جنسيات أوروبية وغربية. أثناء اختطافنا، لم ألحظ ذلك. كان أمامي "بيتر"، قائد السفينة، مواطن إنكليزي، وقد كان في مثل وضعيتي، ونُكِّل به، ونكّل بالاوروبيين والغربيين. وهذا مؤشر جنون الكيان وعزلته المتزايدة، أقله شعبياً.

لا مقارنة بين حالتنا وحال الأسرى الفلسطينيين بالطبع، ولكنّ هذه التجربة ذكّرتني بحال الأسرى الفلسطينيين. شعرنا بالألم والتنكيل وكل ذلك، لكن ما فُعِل بنا لا يقارن بما يمرون هم به. لذلك، فهذه القضية تزداد مركزية بالنسبة لي.

أنا سعيد بأن الأسطول حقق أثره، وأن الحرَج الذي أوقعه بالكيان الغاشم كان كبيراً. وأعتقد أننا مطالبون بمواصلة هذا الجهد من أجل إحراج العالم حتى يتوقف هذا النزيف، ويتوقف قتل الأطفال وتشريد الأسر والتجويع الممنهج.

أمّا معاناتي الشخصية، فالحمد لله، لم أشعر بألم شديد أثناء الاحتجاز، بسبب خدر يدي. وفي النهاية، كنا ذاهبين إلى كيانٍ غاشم، وليس إلى دولة طبيعية، فتوقعنا ذلك.

وعلى الرغم من كل شيء، كانت التجربة بالنسبة لي تحقيق حلم. لقد وصلت إلى الأراضي المحتلة، وإن لم يسمحوا لنا برؤوية شيء منها في عربة الترحيلات، لكنني كنت هناك جسداً.

ما بقي معي هو أن هذا النضال يجب أن يستمر. يجب أن نسعى إلى عزل الكيان أكثر فأكثر، وآمل بأن تُخفِّف مثل هذه المبادرات من معاناة أهلنا في غزة وفي فلسطين بشكل عام.

ختاماً، أريد أن أقول لمن يشاهد ما يحدث في غزة وفي لبنان وبقية أنحاء الأرض، أن الكيان الصهيوني هو مركز الطغيان والفاشية في العالم، وأن مقارعته واجبة، وأن العالم يجب أن يتوقف حتى يتوقف ما يحدث من قتل. الإبادة في غزة، والقتل والقصف في لبنان، يجب أن يتوقفا...

ماذا بإمكاننا أن نفعل؟ أن ندعم أي مبادرة عالمية أو محلية تأتي في صدد مقارعة هذا الكيان وفضح جرائمه وعزله دولياً. أن ندعمها بالكتابة والنشر وبالمال والمشاركة إن استطعنا. وبالتضحية. هذا هو الواجب. هذا هو الضروري. وهذه هي قناعاتي.

المصدر

 

ثلاثاء, 09/06/2026 - 14:49