
الوئام الوطني : في خضم التحولات السياسية المتسارعة، والتحديات الإقليمية والدولية المتشابكة، يبرز النقاش حول ضرورة بقاء مشروع رئيس الجمهورية، وهو ما يستدعي التفكير الهادئ في منطق الدولة واستمرارية البناء.
لقد جاء مشروع محمد ولد الشيخ الغزواني في سياق داخلي وإقليمي معقد، واضعا نصب عينيه ترسيخ الاستقرار، وإصلاح الإدارة، وتحسين العدالة الاجتماعية، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذه المشاريع الكبرى، بطبيعتها، لا تؤتي ثمارها في مدد قصيرة، بل تحتاج إلى الاستمرارية والزمن السياسي الكافي حتى تتحول السياسات إلى نتائج ملموسة.
إن قطع المسار قبل نضوجه لا يعني سوى هدر الجهود، والدخول في دوامة بدايات جديدة لا سبيل لاستكمالها.
ومن اللافت في المرحلة الراهنة ذلك القدر من الانسجام بين الأغلبية والمعارضة حول ضرورة إصلاح البلد والحفاظ على استقراره.
هذا التقاطع في الرؤية، مهما اختلفت أدوات التعبير عنه، يعكس وعيا جماعيا بأن التحديات المطروحة أكبر من الحسابات الضيقة، وأن الدولة في حاجة إلى حد أدنى من التوافق الوطني حول الثوابت الكبرى، وفي مقدمتها الاستقرار والتنمية والانفتاح السياسي.
الجدير بالإشارة أن المنطقة والعالم يمران بمرحلة حرجة، تتسم بتزايد الصراعات، واضطراب الاقتصاد العالمي، وتصاعد النزعات الشعبوية. وفي مثل هذا السياق، تصبح المحافظة على الاستقرار خيارا استراتيجيا لا ترفا سياسيا. فالاستقرار هو شرط التنمية، والتنمية هي الضامن الحقيقي للسلم الاجتماعي، كما أن جو الانفتاح السياسي لا يمكن أن يزدهر في بيئة قلق دائم أو انتقالات متعجلة غير محسوبة.
وتُظهر تجارب دولية عديدة أن الإصرار على تغيير الرؤوس دون اعتبار للسياق قد يفتح الباب أمام سياسات الشد والجذب، ويتيح المجال لوصول قوى تفتقر إلى الخبرة والحكمة في إدارة الدولة. في المقابل، آثرت بعض الدول الحفاظ على استقرار الحكم، مع تطوير الأدوات الديمقراطية من الداخل، وهو ما مكّنها من تجنب الهزات الكبرى، وتحقيق تراكم تنموي وسياسي ملموس.
وفي هذا السياق، تُستحضر تركيا مثالا على أن الديمقراطية لا تتناقض بالضرورة مع استمرارية القيادة، بل قد تتطور في ظلها، حين يتم الحفاظ على “الرأس” مع تحديث البنى والمؤسسات، وتوسيع هامش المشاركة السياسية.
إن الخصوصية الموريتانية، تاريخيا وسياسيا، تقوم على منطق التراكم الرمزي والإنجازي للقادة، لا على القطيعة الحادة مع المراحل السابقة. فالمجتمع الموريتاني، بطبيعته، يميل إلى البناء المتدرج، ويحافظ على نسق التطور الهادئ، وهو ما ساهم في تجنيبه كثيرا من الانكسارات التي عرفتها تجارب أخرى. هذا المنطق التراكمي هو الذي يتيح الانفراج السياسي، ويمنح المجتمع القدرة على التكيف دون صدمات.
إن تأمل هذه الرؤية، ودراسة أبعادها بعمق، قد يفتح أمام موريتانيا أفق بناء نمط توليدي يوفق بين حاجتنا إلى صون تجربتنا الديمقراطية وترسيخها، وبين ضرورة المحافظة على خصوصياتنا المجتمعية والثقافية. نمطٌ لا يرى في الاستمرارية نقيضا للتطور، ولا في الاستقرار عائقا أمام الإصلاح، بل يعتبرهما معا شرطين أساسيين لبناء دولة قوية، متصالحة مع ذاتها، وقادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
*- إسماعيل ولد الرباني
المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)