حي «لاشاركا»... ذاكرة نواذيبو الجميلة وملتقى الحضارات على ضفاف خليج الراحة [بقلم عبد الباقي العربي باحث مهتم بتاريخ أنواذيبو

حين تُذكر نواذيبو القديمة، أو بورت إتيان كما كانت تُعرف في الماضي، يتبادر إلى الأذهان حي لاشاركا، ذلك الحي العريق الذي شكل لعقود طويلة قلب المدينة النابض بالحياة ومركزًا للتعايش الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. لم يكن مجرد تجمع سكني يطل على خليج الراحة، بل كان فضاءً إنسانيًا فريدًا اختلطت فيه الثقافات والأعراق واللغات، وصُنعت بين أزقته أجمل ذكريات أجيال متعاقبة من أبناء المدينة.
تعود نشأة حي لاشاركا إلى سنة 1889، عندما وصل إلى المنطقة عدد من الصيادين القادمين من جزر الكناري، وخاصة لانثاروتي وفويرتيفنتورا وغران كناريا. وقد دفعتهم الثروات السمكية الهائلة التي تزخر بها السواحل الموريتانية إلى الاستقرار في بورت إتيان وتأسيس مستوطنة صغيرة سرعان ما تحولت إلى أحد أهم أحياء المدينة.
واختار هؤلاء الرواد اسم "شاركة" أو "لاشاركا"، وهي كلمة إسبانية تعني البركة أو المسطح المائي الصغير، في إشارة إلى طبيعة الموقع المطل على الخليج والمناطق المائية المحيطة به.
تميز الحي بطابع معماري فريد استوحى الكثير من خصائصه من البناء التقليدي في جزر الكناري. فقد كانت المنازل ذات الجدران المطلية بالجير الأبيض تصطف على طول الشوارع الضيقة في مشهد يجمع بين البساطة والأناقة.
ولم يكن اللون الأبيض مجرد اختيار جمالي، بل كان حلاً عمليًا يتلاءم مع الظروف المناخية للمنطقة. فالجير يسمح للجدران بالتنفس، ويحد من تأثير الرطوبة، كما يعكس أشعة الشمس ويساعد على الحفاظ على برودة المنازل خلال فترات الحر الشديد.
وكان هذا المشهد العمراني المتناسق يمنح الحي شخصية خاصة جعلته من أجمل أحياء المدينة وأكثرها جاذبية.
بفضل موقعه الاستراتيجي وإطلالته المباشرة على البحر، تحول لاشاركا إلى مركز حيوي للصيد والتجارة. فقد لعب الصيادون الكناريون دورًا أساسيًا في استغلال الثروات البحرية، وأسهموا في تنشيط الحركة الاقتصادية التي عرفت بها بورت إتيان خلال النصف الأول من القرن العشرين.
كما احتضن الحي العديد من المتاجر والمخابز والمطاعم التي كانت تستقطب السكان من مختلف أنحاء المدينة. ومن أشهر معالمه متجر رجل الأعمال الإسباني "فيفو"، الذي ذاع صيته بفضل جودة بضائعه وتنوعها، إضافة إلى مخبزته التي اشتهرت بإنتاج الخبز الطازج الذي كان يقصده السكان يوميًا.
لم يكن لاشاركا مجرد حي تجاري، بل كان أيضًا أحد أرقى الأحياء السكنية في المدينة. فقد أقامت فيه شخصيات بارزة من مختلف الجنسيات، من موريتانيين وأوروبيين، وشهد نشأة وتربية عدد كبير من أبناء وأعيان نواذيبو.
ومن بين الشخصيات التي ارتبط اسمها بالحي الشيخ ولد مكناس، أحد أبرز وجهاء المدينة، كما شهد الحي ميلاد ونشأة المرحوم حمدي ولد مكناس، الذي أصبح لاحقًا من أبرز وزراء الخارجية في تاريخ موريتانيا.
احتفظ لاشاركا بمكانة خاصة في وجدان أبناء نواذيبو. ففي الأعياد والمناسبات الأسبوعية كانت العائلات تتوجه إليه للتسوق والتنزه .

وكان الأطفال ينتظرون تلك المناسبات بشغف، حيث يجدون في الحي كل ما يثير فرحتهم من سلع وحلويات ومظاهر احتفالية، بينما كان الكبار يلتقون في فضاء اجتماعي يعكس روح المدينة وتماسك مجتمعها.

ومن المشاهد التي لا تزال حاضرة في ذاكرة القدماء ذلك المرفأ الصغير الذي كان يشكل جزءًا من الحياة اليومية للحي. فمع ساعات المساء كانت النسوة يتجهن إليه لاقتناء أجود أنواع الأسماك الطازجة التي يجلبها الصيادون مباشرة من البحر بأسعار بسيطة وفي متناول الجميع.
وكان هذا النشاط اليومي يضفي على المكان حيوية خاصة ويجعل من لاشاركا نقطة التقاء بين البحر والسكان، وبين الإنتاج والاستهلاك، في صورة تجسد ارتباط المدينة بتاريخها البحري العريق.
لعل أكثر ما ميز لاشاركا هو التنوع البشري الذي احتضنه. فقد عاش فيه الموريتانيون إلى جانب الإسبان والكناريين وغيرهم من الجنسيات الأجنبية في جو من التعايش والتبادل الثقافي. وخلقت هذه البيئة المتعددة الثقافات مجتمعًا منفتحًا ساهم في تشكيل الهوية المميزة لنواذيبو الحديثة.
وكانت المطاعم والمقاهي والمتاجر المنتشرة في الحي تعكس هذا التنوع، حيث امتزجت العادات والتقاليد والأذواق المختلفة لتمنح المكان طابعًا عالميًا نادرًا في مدن المنطقة آنذاك.
اليوم، ورغم التحولات العمرانية التي شهدتها نواذيبو، لا يزال حي لاشاركا حاضرًا بقوة في ذاكرة سكانها. فهو ليس مجرد حي قديم اندثرت بعض معالمه، بل صفحة مضيئة من تاريخ المدينة، وشاهد على مرحلة ازدهار اقتصادي واجتماعي وثقافي تركت بصمتها العميقة في وجدان أجيال متعاقبة.
إن الحديث عن لاشاركا هو حديث عن نواذيبو الجميلة؛ عن زمن كانت فيه الأزقة البيضاء تطل على البحر، وكانت رائحة الخبز الطازج تمتزج بنسيم المحيط، وكانت الثقافات المختلفة تتعايش في انسجام نادر. لذلك يبقى هذا الحي جزءًا أصيلًا من الذاكرة الجماعية للمدينة، وتراثًا تاريخيًا يستحق التوثيق والحفاظ للأجيال القادمة.

أحد, 07/06/2026 - 13:13