
في توقيت إقليمي ودولي يتسم بتعاظم التحديات الأمنية المرتبطة بالمجال البحري، تكتسب زيارة الطوافة الإسبانية «أتالايا» إلى مدينة نواذيبو دلالات تندرج في سياق استراتيجي يعكس تطور الشراكة الأمنية بين موريتانيا والمملكة الإسبانية، ووعيهما المشترك بحساسية الفضاءات البحرية في غرب إفريقيا.
فنواذيبو، بوصفها العاصمة الاقتصادية وميناءً محورياً على الساحل الأطلسي، لم تعد مجرد نقطة عبور تجاري، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في معادلة الأمن البحري الإقليمي. واستقبالها لقطعة بحرية عسكرية أجنبية في إطار برنامج تعاون منظم يعكس إدراكا موريتانيا متزايدا لأهمية البحر كجبهة أمنية لا تقل خطورة عن البر، خاصة في ظل تصاعد ظواهر الصيد غير المشروع، وتهريب المخدرات، والأنشطة الإجرامية العابرة للحدود.
وتأتي هذه الزيارة في إطار تعاون عسكري قائم على برامج عمل مشتركة تشمل التكوين، والتدريب، وتبادل الخبرات، ورفع مستوى الجاهزية العملياتية.
فالتدريبات الميدانية المبرمجة في الميناء وفي عرض البحر تمثل مختبرا عمليا لتعزيز التنسيق بين البحريتين، واختبار آليات العمل المشترك في ظروف تحاكي التهديدات الحقيقية التي تواجه الملاحة والأمن البحري في المنطقة.
ومن الزاوية الاستراتيجية، تبرز إسبانيا كفاعل أوروبي معني مباشرة بأمن الساحل الإفريقي، بحكم القرب الجغرافي وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية.
أما موريتانيا، فقد راكمت خلال السنوات الأخيرة تجربة معتبرة في مجال تأمين سواحلها، وتسعى إلى تعزيز قدراتها الوطنية عبر شراكات متوازنة تحترم السيادة وتخدم المصالح المشتركة. ومن هذا المنطلق، تبدو زيارة «أتالايا» حلقة ضمن مسار طويل من التنسيق والعمل المشترك بين موريتانيا وإسبانيا.
كما أن التركيز على مكافحة الصيد غير المشروع يحمل بعدا اقتصاديا لا يقل أهمية عن البعد الأمني، إذ يمثل هذا النشاط تهديدا مباشرا للثروة السمكية الموريتانية، أحد أعمدة الاقتصاد الوطني. ويعكس إدراج هذا المحور ضمن برنامج الزيارة وعيا مشتركا بأن الأمن البحري ليس مفهوما عسكريا صرفا، بل منظومة متكاملة تتقاطع فيها حماية الموارد، وضمان الاستقرار، ومكافحة الجريمة المنظمة.
وتجسد زيارة الطوافة «أتالايا» إلى نواذيبو نضجا في علاقات التعاون الموريتانية الإسبانية، وانتقالها من مستوى التنسيق التقليدي إلى شراكة عملية تستجيب للتحديات الواقعية التي تواجه الفضاء الأطلسي. وهي رسالة واضحة بأن أمن البحار لم يعد شأنا وطنيا محضا، بل مسؤولية مشتركة تتطلب التعاون، وتبادل الخبرات، وبناء الثقة بين الدول المطلة على هذا المجال الحيوي.
وكالة الوئام الوطني للأنباء



.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)