حدث وتعليق/ تمكين المرأة في عهد الغزواني.. دلالات التحول في تجربة “التآزر”

لم تعد مسألة تمكين المرأة في موريتانيا تُطرح اليوم بوصفها مطلبا اجتماعيا فحسب، بل أصبحت جزءا من فلسفة العمل الاجتماعي للدولة. ويبرز هذا التحول بوضوح في تجربة المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء «التآزر»، التي جعلت المرأة في صميم تدخلاتها خلال السنوات الماضية، ليس فقط باعتبارها مستفيدة من البرامج الاجتماعية، بل بوصفها محورا لإعادة بناء التوازن داخل المجتمع.

إن الدلالة الأولى لهذا التوجه تكمن في التحول من مقاربة تقليدية للعمل الاجتماعي تقوم على معالجة مظاهر الفقر، إلى مقاربة أكثر عمقا تسعى إلى معالجة أسبابه البنيوية. فالتركيز على المرأة داخل الأسرة يعكس إدراكا متزايدا بأن تحسين وضعها الاقتصادي والاجتماعي ينعكس مباشرة على استقرار الأسرة بأكملها، ومن ثم على تماسك المجتمع.

وفي هذا السياق، تبدو المرأة الحلقة الأكثر تأثيرا في معادلة الحماية الاجتماعية. فحين تحظى المرأة بالدعم والتمكين، فإن ذلك لا ينعكس عليها وحدها، بل يمتد أثره إلى الأطفال والأسرة والبيئة الاجتماعية المحيطة. ومن هنا، فإن وضعها في قلب التدخلات الاجتماعية يمثل استثمارا في الاستقرار المجتمعي بقدر ما هو استجابة لاعتبارات العدالة الاجتماعية.

أما الدلالة الثانية فتتعلق بالانتقال التدريجي من منطق المساعدة إلى منطق التمكين. فالمقاربات الحديثة للتنمية لم تعد ترى في الدعم الاجتماعي غاية في حد ذاته، بل وسيلة لخلق قدر أكبر من الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا الإطار، يبرز التوجه نحو دعم المبادرات الاقتصادية النسوية بوصفه محاولة لإدماج المرأة في الدورة الإنتاجية، وتحويلها من متلقية للدعم إلى فاعل اقتصادي قادر على المساهمة في خلق القيمة.

ومن زاوية أخرى، يحمل هذا التوجه أيضا بعدا ثقافيا واجتماعيا مهما. فتعزيز حضور المرأة في الأنشطة الاقتصادية والتعليمية يساهم تدريجيا في إعادة تشكيل الصورة التقليدية لدورها داخل المجتمع، ويعزز فكرة الشراكة بين الرجل والمرأة في بناء الاقتصاد الوطني.

وتتصل الدلالة الثالثة بالبُعد الاستراتيجي للاستثمار في تعليم الفتيات. فالتجارب التنموية في مختلف أنحاء العالم أثبتت أن تعليم المرأة يمثل أحد أكثر الاستثمارات الاجتماعية جدوى على المدى الطويل. إذ يساهم في تحسين مستوى الوعي داخل الأسرة، ويرفع من فرص المشاركة الاقتصادية، كما يعزز قيم الاستقلالية والمسؤولية لدى الأجيال الجديدة.

ومن هذا المنظور، فإن التركيز على الفتيات في البرامج التعليمية لا يمكن اختصاره في سياق الدعم المدرسي، بل باعتباره جزءا من رؤية بعيدة المدى تهدف إلى بناء رأسمال بشري قادر على قيادة التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المستقبل.

كما تكشف تجربة «التآزر» عن تحول مهم في فلسفة السياسات الاجتماعية في موريتانيا، حيث أصبحت هذه السياسات أكثر ارتباطا بمفهوم العدالة الاجتماعية الشاملة. فالدولة لم تعد تكتفي بإدارة الفوارق الاجتماعية، بل تسعى إلى تقليصها عبر أدوات أكثر دقة في الاستهداف وأكثر شمولا في التدخل.

وفي خلفية هذه المقاربة، يبرز توجه سياسي واضح يولي اهتماما خاصا بقضايا التضامن الاجتماعي، ويضع تمكين الفئات الهشة، وفي مقدمتها النساء، ضمن أولويات العمل العمومي. فتمكين المرأة، في هذا السياق، لا يُنظر إليه كقضية فئوية، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة بناء التوازن الاجتماعي وتعزيز فرص التنمية.

لقد تم تحويل هذه المكاسب الاجتماعية إلى تحولات اقتصادية مستدامة، وذلك من خلال قدرتها على خلق فرص حقيقية للاستقلال الاقتصادي، وعلى تعزيز حضور النساء في مختلف مجالات الإنتاج وصنع القرار.

لقد كشفت تجربة «التآزر» خلال السنوات الأخيرة عن تحول لافت في فهم الدولة لدور المرأة في المجتمع. فلم تعد المرأة تُرى فقط كفئة بحاجة إلى الرعاية، بل كشريك أساسي في مسار التنمية وبناء مجتمع أكثر تماسكا وعدالة. وهو تحول يتم تعزيزه بسياسات أكثر عمقا، حيث بات يشكل أحد أهم مداخل التنمية الاجتماعية في موريتانيا.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

اثنين, 09/03/2026 - 04:39