
مثل أداء عشرين مفتشا من الخريجين الجدد لليمين القانونية أمام محكمة الاستئناف بنواكشوط الغربية، محطة ذات دلالة تتجاوز بعدها الإجرائي إلى أفقها المؤسسي والسياسي الأوسع. فالحدث، في جوهره، يعكس إدراك الدولة المتزايد لأهمية الرقابة والتفتيش كرافعتين مركزيتين في بناء إدارة عمومية رشيدة، قادرة على حماية المال العام وضمان حسن سير المرافق العمومية.
ويتعبر نص اليمين، بما تضمّنه من التزام بالنزاهة والاستقامة واحترام القوانين والأنظمة، تعاقدا أخلاقيا وقانونيا بين المفتش والدولة والمجتمع. فالمفتش، بحكم موقعه ووظيفته، يمثل إحدى العيون المؤسسية التي تراقب الأداء الإداري والمالي، وتكشف الاختلالات، وتضع التقارير التي تشكّل أساسا للمساءلة والتصحيح. ومن هنا، فإن تحصين هذا الدور بالقيم المهنية الصارمة يُعد شرطا ضروريا لنجاح أي سياسة جادة لمكافحة الفساد.
وتندرج هذه الخطوة ضمن جهود أوسع تبذلها الدولة لتعزيز آليات الرقابة والتفتيش، سواء من خلال تدعيم المفتشيات العامة، أو تحسين الإطار القانوني المنظّم لعملها، أو الاستثمار في التكوين المستمر للموارد البشرية المكلفة بالرقابة. فالفساد، بوصفه ظاهرة مركّبة، يتطلب التصدي له أدوات مؤسسية فعّالة، على رأسها جهاز تفتيش مستقل، مهني، ومحصّن من الضغوط.
كما أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في عدد المفتشين الجدد، بل في قدرتهم على ممارسة مهامهم بكفاءة وجرأة، وفي استعداد الإدارة العمومية للتجاوب مع تقارير التفتيش وتحويلها إلى قرارات وإجراءات ملموسة. وهو ما انتبه له رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، فبادر بإعطاء توجيهات صارمة بترجمة نتائج التفتيش إلى إصلاحات جوهرية ومحاسبة فورية.
ومن زاوية أخرى، يبعث هذا الحدث برسالة طمأنة للرأي العام مفادها أن الدولة ماضية في تعزيز ثقافة الرقابة والامتثال للقانون، وأن محاربة الفساد ليست مجرد شعار، بل مسار يتطلب تراكما مؤسسيا وصبرا سياسيا.
فحين يشعر المواطن بأن هناك أجهزة رقابية فاعلة، وأن المال العام يخضع للتتبع والمساءلة، تتعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ويتقوى الإحساس بالعدالة وتكافؤ الفرص.
ويشكّل أداء المفتشين الجدد لليمين القانونية حلقة ضمن مسار طويل لإصلاح الإدارة العمومية، ومسعى واضحا لتكريس الرقابة والتفتيش كآليتين ضروريتين في مكافحة الفساد. ويرى المراقبون أن جدية وصرامة رئيس الجمهورية في هذا المنحى، ستحويل هذه الالتزامات القانونية والأخلاقية إلى ممارسة يومية صارمة، تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وتؤسس لدولة القانون والمؤسسات على أسس صلبة ومستدامة.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


.jpg)
.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)