
في سياق دبلوماسية اقتصادية متنامية تعكس تحولا لافتا في مسار العلاقات الموريتانية-السعودية، يندرج استقبال رئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، السيد محمد زين العابدين ولد الشيخ أحمد، لوفد من مجلس الشورى السعودي، برئاسة السيد فهد بن سليمان التخيفي، باعتباره محطة ذات دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز البروتوكول، لتلامس جوهر الرهانات التنموية والشراكات المستقبلية بين البلدين.
فالزيارة، وإن جاءت في إطار برلماني، إلا أن اختيار الاتحاد الوطني لأرباب العمل كإحدى محطاتها الأساسية، يكشف بوضوح عن مركزية البعد الاقتصادي في العلاقات الثنائية، وعن قناعة مشتركة بأن القطاع الخاص بات أحد أهم محركات التقارب والتكامل بين الدول، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها كل من موريتانيا والمملكة العربية السعودية.
لقد حرص رئيس الاتحاد، في كلمته بالمناسبة، على تأطير اللقاء ضمن سياق العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع نواكشوط والرياض، وهي علاقات قائمة على المشترك الديني والثقافي، وعلى تراكم من الثقة السياسية.
غير أن اللافت هو الانتقال من خطاب المجاملة التقليدي إلى خطاب براغماتي يركز على تحويل هذا الرصيد المعنوي إلى شراكات اقتصادية ملموسة، تعود بالنفع المباشر على الفاعلين الاقتصاديين في البلدين.
وفي هذا الإطار، يكتسب حديثه عن “النهضة التنموية” التي تشهدها موريتانيا بعدا سياسيا واضحا، إذ يقدم البلاد باعتبارها فضاءً واعدا للاستثمار، ومهيأ لاستقبال رؤوس الأموال والخبرات، في انسجام تام مع رؤية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية.
وفي الجهة المقابلة، جاء عرض رئيس الوفد السعودي حول رؤية السعودية 2020 و2030 ليؤكد أن المملكة بدورها تعيش تحولا بنيويا عميقا، يتم فيه إسناد أدوار محورية للقطاع الخاص في مجالات الاستثمار، والحوكمة، والتشغيل، والتنويع الاقتصادي. هذا التقاطع في الرؤى يفتح الباب أمام شراكة “رابح-رابح”، قوامها تبادل الخبرات، واستثمار الفرص، وبناء مشاريع مشتركة في قطاعات واعدة.
كما أن التأكيد السعودي على أن الزيارة تندرج ضمن توجيهات قيادتي البلدين يعكس مستوى التنسيق السياسي العالي، ويمنح اللقاء بعدا رسميا داعما لأي مخرجات اقتصادية محتملة، وهو عنصر حاسم في تشجيع المستثمرين وتقليص المخاطر.
ولا تكمن أهمية اللقاء فقط في الخطاب، بل في ما طُرح من آليات عملية، مثل تسهيل لقاءات رجال الأعمال، وإنشاء منصات للحوار المباشر، ودراسة الفرص الاستثمارية المشتركة، إضافة إلى التركيز على التكوين المهني والتأهيل، باعتبارهما شرطين أساسيين لنجاح أي شراكة مستدامة.
كما أن الحديث الصريح عن إزالة العوائق أمام التبادل التجاري يعكس وعيا بالتحديات الواقعية، ورغبة في تجاوزها عبر مقاربة مؤسسية.
ويبرز حضور شخصيات وازنة، من بينها رئيس فريق الصداقة الموريتاني-السعودي، ورئيس الجانب الموريتاني في منتدى الأعمال المشترك، وسفير المملكة في نواكشوط، الطابع التكاملي لهذا اللقاء، حيث تتقاطع الأدوار البرلمانية والدبلوماسية والاقتصادية في خدمة هدف واحد، يتمثل في دفع العلاقات الثنائية من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
ويمكن القول إن هذا اللقاء يشكل لبنة إضافية في بناء مسار جديد للعلاقات الموريتانية-السعودية، وهو مسار يضع الاقتصاد والاستثمار في صدارة الأولويات، ويعكس تحولا في فهم دور القطاع الخاص كفاعل محوري في الدبلوماسية الحديثة، خاصة أن المراقبين رصدوا ترجمة هذه الإرادة السياسية والاقتصادية إلى مشاريع ملموسة، قادرة على خلق القيمة المضافة، وتعزيز التنمية، وترسيخ الشراكة بين البلدين على أسس عملية ومستدامة.
وكالة الوئام الوطني للأنباء



.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)