حدث وتعليق/ جائزة الإبداع الأدبي.. اتحاد الأدباء يحتفي بنصف قرن من ماضي الثقافة ويستثمر في المستقبل

في لحظة رمزية مكثفة بالدلالات، اختار اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين أن يحتفل بمرور خمسين عاما على تأسيسه بإطلاق مبادرة عملية تتجاوز الاحتفاء الشكلي إلى الاستثمار المباشر في الإبداع.

فإعلان رئيس الاتحاد، أحمد ولد والد، عن جائزة للإبداع الأدبي بقيمة خمسة ملايين أوقية قديمة، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد حدث احتفالي، بل كرسالة ثقافية واضحة تعكس تحوّلا في مقاربة العمل الأدبي من التذكير بالماضي إلى صناعة المستقبل.

وتأتي هذه الجائزة في سياق ثقافي يتسم بتحديات مركبة، أبرزها محدودية الدعم المؤسسي للإبداع، وضعف سوق النشر، وتراجع حضور الأدب في الفضاء العام أمام هيمنة الوسائط الرقمية السريعة.

ومن هذا المنظور، تبدو الخطوة محاولة جادة لإعادة الاعتبار للقيمة الرمزية والمادية للإنتاج الأدبي، وإشعار المبدع بأن جهده ليس معزولا عن الاهتمام المؤسسي ولا عن الرهان الوطني على الثقافة كرافعة للوعي والتنمية.

إن اختيار توقيت الإعلان، خلال افتتاح الفعاليات الكبرى للذكرى الذهبية للاتحاد، وتحت شعار «نصف قرن من الإبداع والدبلوماسية الثقافية»، يمنح المبادرة بعدا يتجاوز الداخل الثقافي إلى المجال الخارجي. فالحديث عن الدبلوماسية الثقافية يعني ضمنا أن الأدب لم يعد شأنا نخبويا محضا، بل أداة من أدوات القوة الناعمة، القادرة على تقديم صورة موريتانيا المتعددة لغويا وثقافيا، وترسيخ حضورها في المحافل الإقليمية والدولية.

كما أن تأكيد رئيس الاتحاد على توجيه الجائزة لدعم الطاقات الأدبية الشابة يعكس وعيا بضرورة تجديد الدماء داخل المشهد الثقافي، وربط التجربة التراكمية للرواد بأصوات جديدة تبحث عن الاعتراف والفرصة. فالاتحاد، الذي ظل طوال خمسة عقود فضاءً جامعا للفكر والإبداع، يجد نفسه اليوم أمام اختبار الانتقال من دور الحاضن الرمزي إلى الفاعل المبادر، القادر على خلق حوافز ملموسة تحرك الساحة الأدبية وتفتح آفاق التنافس الإيجابي.

غير أن نجاح هذه الجائزة سيظل مرهونا بجملة من الشروط، في مقدمتها وضوح معايير الترشح والتحكيم، واستقلالية اللجان المشرفة، وضمان استمرارية المبادرة وعدم تحولها إلى حدث عابر مرتبط بالمناسبات، وهي معايير لا يمكن أن تغيب عن القامات الثقافية التي تقود الاتحاد.

فالمشهد الثقافي لا يحتاج فقط إلى جوائز، بل إلى منظومة متكاملة تُواكب المبدع من لحظة الكتابة إلى النشر والتوزيع والترويج.

إن إطلاق جائزة الإبداع الأدبي يمثل خطوة ذات دلالة قوية في مسار اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، ورسالة أمل للمبدعين بأن الثقافة لا تزال تحظى بمكانتها في الوعي الوطني. وهي، في الوقت ذاته، دعوة مفتوحة لتحويل الاحتفال بنصف قرن من الإبداع إلى بداية مرحلة جديدة، يكون فيها الأدب ركيزة فاعلة في بناء الحاضر وصياغة صورة موريتانيا الثقافية العابرة للحدود.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

أحد, 08/02/2026 - 16:36