أعلام ظلمهم المؤرخون.. الشاعر يحي بن المصطفى بن حبيب (الحلقة5)

الشاعر يحي بن المصطفى بن حبيب الحلي التندغي (ت. 1363 هـ): 

الشاعر المبدع يحي بن المصطفى بن حبيب بن محمدن بن عبد الرحمن الحلي التندغي، ينتهي نسبه إلى برغه بن عبد الله، ولد في حدود سنة 1316هـ الموافق 1898م في النواحي الشرقية من مقاطعة أبي تلميت، تنقل مبكرا بين كبريات محاظر قومه فكانت بدايته في محظرة آل معاوية التي أخذ القرآن وعلومه عن عميدها القارئ الفقيه أحمد محمود بن محمد بن معاوية (ت. 1360 هـ)، وكان مما درس عليه نظم مورد الظمآن فى رسم أحرف القرءان للخراز ، ثم يمم وجهه شطر محظرة آل الرباني فأخذ عن شيخها الشيخ محمد أحمد بن الشيخ محمد بن الرباني (ت. 1353 هـ) علوم الفقه واللغة، ثم انتقل إلى محظرة آل أحمدو فال فأخذ عن مؤسسها القاضي لمرابط يحي بن أحمدو فال (ت. 1345 هـ) مختلف الفنون المحظرية بما فيها التصوف على نهج الطريقة التجانية الحافظية.

أتقن ابن حبيب رحمة الله عليه القرآن وعلومه والفقه وعلوم اللغة والكلام وفنون الشعر قبل أن يتصدر للتدريس في أماكن مختلفة من الترارزة ولبراكنة.

كان ابن حبيب شاعرا من طراز فريد جمع بين جزالة اللغة وقوتها ووضوح المعاني وسلاستها وزاوج بين الفصحى والعامية، وتأثر بالأسلوب القرآني خصوصا واستقى من معين الموروث الشعبي كثيرا.

 

ومن رقيق شعره:

نِيام شوقي من الأحزان هَبُّوا لي

لما تذـــكر قلبي بنت هَبُّـــــولِ

 

إني عليها لمجبول ويا عجبًــــا 

ممن يكون عليها غير مجبــولِ 

 

ويقول في إحدى قصائده:

 

سبى قـلـبـي غزالٌ قـد رمـانــي 

بسهـمٍ فـي حَمـاطةِ جُلْجُـــــلانِ 

 

وغادرنـي برمْيَته جــــــريحًا 

أُعـانـي من كُلـومي مـا أعـاني 

 

ولـي فـي القـلـب نــيرانٌ تلظَّى

ولـي عـيـنـان دمعًا تجـرِيــــان

 

ولـي عـيـنـان أيضًا فـي فؤادي 

 بـدمعٍ مـن دمٍ نَضَّاخَتــــــــــان 

 

فـيـومئذٍ سمـاءُ الصـــبرِ شُقَّتْ 

وكـانـت وردةً مـثلَ الـدِّهـــــان 

وذا يـومٌ عسـيرٌ يـومَ تأتــــي 

سمـاءُ الصـبر فـيه بـالـدخـان

 

فهـا أنـا فـي جهـنمَ بـيـنهـا قـد 

أطـوفُ هُنـا وبـيـن حـمـيـمِ آن

 

وقِدْمًا كـنـت دونهـمـا تـرى لي 

بفردوس الـمسـرَّة جنـتـــــــان 

 

وكلـتـا الجنـتـيـن أتَتْ أُكُلْهــــا 

معًا وجَــنـاهُمـا للجـانـي دانـي 

 

ولكـنْ كلُّ مَنْ أمسـى عـلـيـهـا 

مـن الأشـيـــاء كـالجنّات فــان 

 

وأعـلـمُ أنَّمـا الـبـاقـــــــــي إلهٌ  

له شجـــرٌ ونجـــمٌ يسجــــدان 

 

عــــلى أن الغزالَ سبى فؤادي 

 ولـم أنسَ الـذي مـنــه سبـاني 

 

غزالٌ كـالغزالةِ فـي الــــمحَيّا 

ولـم تـمْسَسْ محـاسنه الـيدان 

 

ولكـن كـان بـيـنهـمـا لـديـــــه 

دوامًا برزخٌ لا يبـغـيــــــــــان 

 

ظفرْتُ بـوصلِه يـومًا ولكــــــنْ 

بجِلْبـابٍ تحجَّبَ إذ رآنــــــــــي 

 

فقـلـتُ له أريـنـي الـيـومَ أنظُرْ 

إلـيكَ فقـال إنك لن تـرانــــــي 

 

فقـلـتُ أوانُ رؤيـتِه لعـيـنــــي 

وقـلـبـي إذ لـذلك يعـشقــــــان

 

بذاك ظفرْتُمــــــــــــــا فبأيِّ آلا 

ءِ ربِّكِمـا الكريـمِ تكذِّبـــــــــــان 

 

وبعـد عـلـيـهـا طفْقًا متى بـا 

تَ مـن وَرَقِ الـوسـاوسِ يخصِفان

 

ومـا ذاك الغزالُ الـيــــــــومَ إلا 

كحُورِ العِيـنِ تـرفلُ فـي الجِنــان

 

أرى الغزلانَ مسكنُهـا الفـيـافـي 

ومـرتَعُهـا ريـاضُ "الـديْدمـــــــان"

 

ومسكـنُ ذا الغزالِ سـوادُ عـيـني 

ومـرتعُهُ ريـاضٌ فـي جَنـانـــــــي...

 

ويقول في أرجوزته المعروفة بالرّحّالية:

 

سبَتْ فؤادي عـنـوةً رحّاليــــهْ 

يـا لـيـت شعـري ما لها وما لِيهْ 

 

ويـومَ صـارتْ للرحـيل نـاويـــه 

بكل نـاجٍ مُسـرَجٍ ونـاجـيــــــــه 

 

وأومأَتْ نحـوي بعـيـنٍ ســاجِيَه 

تـنظرُ مـن طرْفٍ خـفـيٍّ سـاهــه

 

وأصـبحتْ مـنهـا الـديـارُ خـالـيـه 

دورٌ جُعـلْنَ كـالرمـيـم بـالـيـــــــه 

 

وقـد أتتـنـي مـن هـواهـا غاشِيـه 

فهـــــل أتـاكُمُ حديثُ الغاشـيـــــه 

 

وأصـــــــــــبحَ الرَّبْعُ كأنْ مغانيه 

لـم تغْنَ بـالأمس بـهـذي الغانـيه

 

كلُّ حـمـامةٍ عـلـيـه بـاكـيـــــــــه 

تدعـوه وهْـو لا يُجــــــيب داعِيَه

 

وصـار قـاعًا صـفصًا أثـــــــافِيَه 

تـنسفُه نَسْفَ الريـاحِ السـافـيــه 

 

فـي جنةٍ مـن الـتَّصـابـي عـالـيه 

قُطـوفُهـا للـمُتَصـابـي دانـــيــــه 

 

لا تسمعُ الـبَتَّةَ فـيـهـا لاغــــــيَه 

فـيـهـا مـن اللـذات عــيـنٌ جاريه

 

وتحتهـا الأنهـارُ تجـري هــــامِيَه 

مـن الخُمـورِ والعُسـولِ الصـافـيه 

 

فردوسُهـا فـيـه تَرى يــــــــا آتِيَه 

مـا تشـتهـيـه الأنفـسُ الإنســـانِيَه

 

يرى نمـارقًا مـنَ امسِ ثـــــــاوِيَه 

مـصـفـوفةً مبثـوثةً زرابِيـــــــــــه

 

فُرُشُهـا مـرفـوعةٌ كراسـيـــــــه 

أكـوابُهـا مـوضـوعةٌ أوانـيــــــه 

 

يرون فـي جنّاتِ عـدْنٍ حـاويــه 

كلَّ نعـيــمٍ مـن نعـيـم الفـانـيــــه 

 

فحـالـتـي لـم تَخْفَ مـنهـا خـافـيه 

بـل قـد وعَتْهـا كلُّ أذْنٍ واعـيــــه

 

إن مسَّنـي قَرْحٌ فلـيسَتْ طـاريــه 

قـد مسَّ قَرحٌ مـثلُه أمـثـالـيــــــه 

 

قـد أُهلِكوا مـن الهوى بالطاغـيه 

كلا فهل تَرى لهـم مـن بـاقِيـــه 

 

وأممٍ مـن القُرون الـمـاضـيـــه 

قبـلـي رمـاهُـمُ الهـوى بـداهِيـه 

 

وريح صَرْصرِ الغرامِ العـاتـيـه 

سخَّـــرهـا عـلـيــهـمُ ثـمـانـيــه 

 

ومن ظريف شعره قصيدته المسماة بالكَلْبية، و منها:

يا رب أنت الذي قدرتَ تلوادي 

في الغيد قدّر عليّ مَلْݤَ عرّادي

 

من بعدما بعُدت مني وصيرني 

غرامها جائلا في جمع الاغيــاد

 

تلك الفتاة التي هام الفؤاد بها 

حُمِّلتُ من حبها شِ ماهُ مُعتــادِ

 

أحببتُ من حبها أزناڮَ قاطبة 

حُبًّا شديدا وقد أحببتُ لݤْنــادِ...

 

هذا ما أسعفت به الذاكرة منها وناسب المقام...

 

وقد كان لشعره انتشار واسع وقبول كبير عند العامة وعند الخاصة، يقول فيه محمد عبد الله بن ففّا العلوي:

شهدتُ بحسن الشعر للتندغِي يحي 

ولم يكُ ذا مني افتــــــراء ولا إغيا...

 

توفي يحي بن حبيب رحمه الله عام 1363 هـ الموافق 1943 م، وترك وراءه ديوان شعر حققه الأستاذ محمد عبد الرحمن بن سيدي بن الشيخ مدير إعدادية علب آدرس في رسالة تخرجه من المدرسة العليا للأساتذة بنواكشوط عام 1986، بالإضافة إلى مصنف في علم الكلام ذكره المؤرخ هارون بن الشيخ سيديّ في كتابه الأخبار دون أن يسمي عنوانه.

 

أربعاء, 27/03/2024 - 22:24