مشكلة لحراطين لم تعد قضية عبيد/ احمد سالم ولد المختار الملقب شداد

اثنين, 06/06/2016 - 06:06

"لحراطين منسيي الجمهورية": يمكن أن نعتبر هذه الجملة القصيرة أفصح تعبير عن وضعية لحراطين الحالية. أشارك شخصيا ولد بيبكر العديد من الأفكار التي عبر عنها في مقاله الأخير حول مسالة لحراطين. إلا اننى أتحفظ على الأقل على الطريقة التي عبر بها عن رأيه. قناعتي شخصيا أن اى سلطة السياسية, مهما كان تشبثها بالقيم الديمقراطية, لا تسمح أبدا لنفسها بخلق أو إثارة مشاكل يمكنها تحاشيها. وهذه القاعدة تنطبق تماما على كافة النظم التي مرت بها بلادنا منذ الاستقلال و حتى قبل ذالك. فاى سلطة, وفى اى زمان’ تواجه عادة عددا من المشاكل تتفاوت في حدتها و التي تتطلب حلولا سريعة . وبما أن فن السياسة يتمثل أساسا في البحث عن أنجع الحلول لمشاكل معينة تفرض في الغالب نفسها, فانه من الحكمة أن لا تخلق اى سلطة لنفسها مشاكل جديدة أو توقظ أخرى نائمة. ولذالك السبب استغرب شخصيا أن يحاول البعض إثارة مسالة الرق داخل المجموعات العرقية الإفريقية قبل أن يطرح المعنيون قضيتهم بأنفسهم. أخشى أن يكون ذالك محاولة للفت الأنظار عن القضية المطروحة بإلحاح من طرف الأرقاء السابقين داخل مجتمع البيظان. اذكر هنا بان قضية تحرير الشعوب المستعمرة لم تذكر قبل أن يطرحها المعنيون و يدخلوا بالفعل فى كفاح مفتوح ومتواصل من اجل التحرير. في الحقيقة يعمل منذ بعض الوقت طلائع من مجتمع لحراطين من اجل اسماع حجة ذويهم. فإبان حكم الرئيس المختار كانت وضعية لحراطين ما زال تسيطر عليها التأثيرات السلبية لأوضاع النظام العبودى الشامل الذي كان قائما. فالسواد الأعظم من مجتمع لحراطين كان يعانى من الجهل و الأمية و التخلف الاقتصادي و الاجتماعي. فكان وعيهم لأوضاعهم ضعيفا جدا. وكان نظام المختار يواجه مشاكل جمة. فبعد تجاوز مشكلة الاعتراف الدولي ببلادنا, كان نظام الرئيس المختار يعانى من مخلفات الاستعمار في جميع مرافق الحيات, وكذالك الصراع مع الأسر الإقطاعية التي كانت تصارع من اجل حماية امتيازاتها الموروثة على النظام الاستعماري. كان نظام الرئيس المختار يعتمد في الأساس على المجموعات الإقطاعية العبودية في آن واحد, ولم يكن له الخيار في ذالك لأنه لم يكن يتوفر آنذاك على بديل., ولذالك لم يكن يتوفر على ابسط هامش يسمح له بالتحرك من اجل محاولة البحث, أو حتى التفكير في ادني حل لقضية الرق في البلاد. ففتح المدارس العصرية أمام أبناء الأرقاء خصوصا داخل المدن الكبرى كان بداية خير على هؤلاء. وكان يصعب على اى احد, بما فيها شباب حزب النهضة المتحررين, أن يطالب في ذالك الوقت بتحرير الأرقاء. أحيانا يتطرق المختار بحذر كبير إلى هذا الموضوع اثناء احتكاكاته ببعض النافذين الإقطاعيين. واعتبارا إذن إلى ظروف غير ملائمة كان من الحكمة تفادى طرح مسالة الرق بشكل مباشر نظرا لانعدام قوى سياسية أو اجتماعية يمكن الاعتماد على دعمها, وكذالك ضئالة الإمكانيات المالية الضرورية للعمل على حل هذا النوع من المشاكل في حالة افترضنا أن هناك الإرادة السياسية اللازمة. وفى ما يخص النظم العسكرية التي تتوالت على السلطة بعد زوال نظام ولد داداه, فالحقيقة أنهم كانوا منغمسين في العديد من المشاكل المستعصية و التي كانت تشغلهم أكثر من قضية الرق ومخلفاته. فقادة الجيش, والذين أصبحوا قادة الدولة, كانوا منهكين بعد سنوات من خوض حرب مدمرة لا يبرر شيئا مشاركة بلادنا فيها. إن تسييرهم للقضايا المدنية لا يمكن أن يكون نموذجيا. كانوا كلهم تقريبا منكبين على أمورهم, يبحثون عن حلول للمشاكل الجمة التي كانت تحاصرهم وتهدد في بعض الأحيان كيانهم. ومثل نظام الرئيس المختار كانوا, في حالة نزل عليهم الوحي بالاستعداد الضروري, فاقدين لأدنى إمكانيات مالية للتصدي لمشاكل مستعصية ومعقدة مثل مسالة الرق. ومع ذالك فقد تجرؤوا فقاموا بخطوات تعتبر ايجابية مع الرغم من نواقصها مثل قرار إلغاء الرق و الإصلاح الزراعي. ربما كان من سوء حظ نظمنا العسكرية بزوغ مسالة الرق إبان حكمهم. ولم يكن ذالك مجرد صدفة. فقد امتازت تلك الفترة بتدهور كبير في قوة و هيبة مؤسسات الدولة, وكان ذالك ناتج في الغالب عن انحطاط بين في قوة و نفوذ القوى السياسية التي كانت تتميز بالغيرة على الوحدة الوطنية و خصوصا أنصار الحركة الوطنية الديمقراطية وكذالك محيط الرئيس المختار ولد داداه من مثقفين مستترين. فقد احتلت بعد ذالك الساحة التيارات الخصوصية, العنصرية و الجهوية و القبلية. فأصبح الشغل الشاغل للقادة العسكريين هو محاولة توزيع الإمكانيات المحدودة جدا بين فلول مراكز السلطة. إن ميلاد حركة الحر في هذا الوقت بالذات كانت تمليه هذه الظرفية. بدا وعى هذه الوضعية في عناصر قليلة من مثقفي لحراطين و بدؤوا يطالبون بنصيبهم من ما يقوم الحكام بتوزيعه وخصوصا المناسب الإدارية و السياسية. فلو كانوا فضلوا السكوت لما تم حذفهم إلى الأبد. فمن ضرب المستحيل التفكير في تحويل الإقطاعيين العبوديين إلى محرري عبيد. فالتاريخ البشرى لم يشهد قط مثل ذالك. اذكر هنا الأخ المحترم ولد بيبكر بان أسلاف هؤلاء الإقطاعيين المتزمتين هم الذين وقفوا ضد الأفكار النيرة للفقهاء الذين قد فتوا في ما سبق ضد ملك الرقيق في منطقتنا. في ما يخص ولد سيد يحيى, وافق الأخ بأنه لعب دورا فعالا في تعليم وبث التعاليم الدينية و الأخلاقية, إلا انه من الملاحظ الغياب شبه التام في محاضراته لإشكالية قضية الر ق كما هي متناولة اليوم في بلادنا. يبارك ولد بيبكر ما يسميه سكوت ونجاح شريحة من مثقفي لحراطين عن هذه القضية المتداولة, وفى نفس الوقت يشجب ويستنكر مواقف قادة لحراطين الذين, مهما كانت نواقصهم, يرجع لهم الفضل في فتح ملف قضية ذويهم وكذالك كانوا هم الذين وراء الخطوات التي قد تحققت فى هذا الملف. في مجال الحلول يقترح علينا الأخ المحترم المدرسة الحديثة كأنجع حل لمشكل لحراطين. بدون تردد أوافقه على ذالك. لكن اتسائل اى مدرسة يقترح علينا السيد الفاضل. لا أظن أنها المدرسة العامة فى شكلها الحالى والتي لم تعد تملك من صفات المدرسة إلا الاسم. ونعلم جميعا أن الغالبية العظمى من لحراطين بما فيها العديد من "الصامتين" من مثقفيهم عاجزون عن الولوج إلى حجرات ما يعتبر ناجحا من التعليم الخاص آو مدارس الجودة. وتبقى مشكلة الأطر القلائل الذين يتمكنون من اجتياز العقبات و يحصلوا على شهادات عليا معتبرة. يقف أمام هؤلاء بؤر النافذين و الاقطاعون المتزمتون والساهرون على"حسن سير" اى نظام يصل سدت الحكم في هذه البلاد. ان تحطم الاقتصاد الريفي جراء عقود من الجفاف نتج عنه تحريرا فعليا للآلاف من الرقيق. وقد توافدوا على مدين للبحث عن العمل المأجور. وهنا استقبلتهم طلائع الشباب الواعون والمتطلعون إلى مستقبل أفضل لبلادنا. فأطروهم وحتى "علموهم الكتابة و الحكمة" وبذالك أعدوهم للمزيد من الوعي لأوضاعهم في العقود القادمة. وهكذا تتحول تدريجيا شريحة لحراطين من طبقة في نفسها إلى طبقة لذاتها, كما يقول احد كبار المفكرين حول تاريخ الطبقة العاملة. فبعد كل هذه التطورات تتقاعس مظاهر الرق التقليدي حتى الاختفاء وتصبح فئة لحراطين تعانى أساسا من عواقب وأثار الرق أكثر بكثير من الرق نفسه. ويصبح في هذه الحالة التمادي في الحديث عن الرق, قانونيته أو شرعيته هي أفضل وسيلة للابتعاد عن ما يعانيه لحراطين فعلا وهو التهميش و الحرمان من فوائد الدولة و تسهيلاتها في الرقى والاندماج في مجتمع منفتح على المستقبل في جو من السلم والاطمانينة. فلا جدوى إذن من حلول مثل ترقية ادواب أو قرى لحراطين من خلال بعض المشاريع المدرة للدخل, وهذا, من بين العديد من الاعتبارات, لان ادواب أصبحت اليوم خالية من سكانتها, خصوصا الشباب و النساء الذين هاجروا إلى المدينة التي يمارسون فيها أعمالا متعددة تدر عليهم بقوتهم اليومي. كذالك ا يعتبر حلا ذا مردودية عكسية ترقية عناصر مجهولة, وكثيرا ما تكون ناقصة الكفاءة, من لحراطين, ربما لمعاقبة الذين ضحو بالغالى والنفيس من اجل القضية والوطن. الكل يعلم اليوم أن الدولة حتى في البلدان الأكثر تقدما هي المصدر الرئيسي,و الوحيد في بلاد مثل بلادنا, القادر على إيجاد حلول للمشاكل التي تطرح لاى مجموعة اجتماعية. فالدولة, دورها, هو الصهر على التوازنات الاقتصادية و الاجتماعية الأساسية و التي يمكن لاى اختلال فيها أن يؤدى إلى زعزعة الهيكل الاجتماعي برمته. يجب علينا جميعا إذن التحلي بالمسؤولية والجدية في البحث عن الحلول المناسبة لقضايانا. فلا شرف ولا تعلق بالوطن ووحدته, وحتى لا إنسانية لمن يفتقد إلى ادني مقومات الحيات اليومية. فالتوزيع العادل لثروات وإدارة بلادنا هو السبيل الوحيد الذي سيمكن ضعفائنا, من كل فئات مجتمعنا, من اللحق بالركب وتفادى الانزلاقات والكوارث التى نشهدها اليوم في اعرق واغني البلدان. احمد سالم ولد المختار الملقب شداد