الجزائر تحاول التملص من إرث أربعة عقود من التنكيل بالصحراويين المختطفين في تيندوف/ إسماعيل الرباني

اثنين, 06/06/2016 - 06:01

منذ أن أيقن جنرالات الجزائر وساستها بأن زعيم جبهة البوليساريو الراحل محمد عبد العزيز المراكشي أصبح في خبر كان، بعد دخوله في موت سريري منذ عدة أشهر، بدأت الدعوات تتصاعد بضرورة وضع حد للفاتورة المكلفة لدعم الانفصاليين المغاربة، بل إن الأمر ذهب بالبعض إلى الدعوة إلى تنظيم مسيرة باتجاه المخيمات لطرد عصابات البوليساريو من الأراضي الجزائرية.

 

الانزعاج الجزائري من وجود المخيمات على أراضيها، تمت ترجمته رسميا بهدم ما يسمى مخيم الداخلة، وهي الخطوة التي لاقت استحسانا كبيرا لدى الرأي العام الجزائري الذي علق عليها آمالا كبيرة باعتبارها الخطوة الأولى على طريق إنهاء مخيمات الصحراويين على الأراضي الجزائرية.

 

وفضلا عن تنامي الشعور الجزائري بأن تدخله المنحاز ضد المغرب لصالح مجموعة من الانفصاليين فوت العديد من فرص الشراكة المثمرة بين الجزائر والرباط، فإن الجزائر أصبحت في عزلة دولية خانقة بسبب مسؤولياتها المباشرة وغير المباشرة عن انتهاكات حقوق الإنسان في مخيمات تيندوف، وتفشي المحسوبية والحرمان، وكذا التلاعب بالمساعدات الإنسانية التي تقدمها حكومات ومنظمات خيرية لساكنة المخيمات.

 

التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات دولية تُعنى بحقوق الإنسان، تشير إلى أن السكان الصحراويين بمدينة تندوف الجزائرية يعيشون أوضاعاً إنسانية مزرية تتراوح بين سوء المعاملة والحرمان من كافة الحقوق الأساسية والتنكيل، وحسب المعطيات المتوفرة من هناك فإن سكان مخيمات تندوف ينقسمون إلى فئتين؛ الأولى مقربة من مراكز النفوذ في جبهة البوليساريو وتتمتع بحياة عيش رغيدة، بينما تئن الفئة الثانية تحت وطأة ظروف اجتماعية قاسية محرومة من أية امتيازات بل ومحرومة من أدنى الحقوق الضرورية.

 

وتعاني الفئة الثانية التي تشكل الغالبية الساحقة من السكان من الفقر وسوء التغذية، بالإضافة إلى حرمانها من الحصول على أوراق الإقامة والهوية وتمنع عليهم حرية العودة إلى بلدهم المغرب، كما تعمل مليشيات البوليساريو على فرض نظام الوصاية والمحسوبية لإحكام السيطرة على المواطنين الصحراويين المحتجزين داخل المخيم، وتفرض عليهم الولاء والطاعة لقادتها مقابل الحصول على بعض المكاسب والامتيازات البسيطة.

 

وقد عادت قضية الاختلاس الممنهج من قبل البوليساريو للمساعدات الإنسانية الموجهة إلى الساكنة المحتجزة في مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، مرة أخرى، الى واجهة النقاش داخل البرلمان الأوروبي.

 

ويرفض العديد من النواب الأوروبيين سياسة الامر الواقع ،كما لا يقبلون ، أن تصل اللجنة الاروبية الى الباب المسدود بخصوص هذه القضية، ذلك أن أن الأمر يتعلق بأموال دافعي الضرائب الأوروبيين، التي تستخدم في غير أغراضها .

 

ولم يفتأ نواب أوروبيون وخبراء ومسؤولون من جميع المشارب ، يلفتون انتباه المؤسسات الأوروبية حول هذه الإشكالية، التي تنم عن غياب اليقظة لدى الاتحاد الأوروبي كما أكد على ذلك تقرير المكتب الأوروبي لمكافحة الغش.

 

وعقب هذه التجاوزات التي تعوق وصولا كاملا للمساعدات الإنسانية، قررت مجموعة من المنظمات الدولية خفض أو تعليق مساعداتها، وخاصة برنامج الغذاء العالمي والمفوضية العليا للاجئين. وفي إسبانيا، قدمت إحدى النقابات شكوى ضد منظمات غير حكومية إسبانية والبوليساريو بسبب تحويل مساعدات إنسانية.

 

واتهمت المنظمة النقابية مانوسليمبياس رئيس التنسيقية الإسبانية للجمعيات المتضامنة مع الصحراء، خوصي تابوادا، وكذا عدد من قادة البوليساريو بوقوفهم وراء التلاعب ب 20 مليون أورو والتحويل المكثف للمساعدات الموجهة لسكان تندوف.

 

وشمل هذا التلاعب تزوير المعطيات المتعلقة بعدد المستفيدين من المساعدات داخل المخيمات، وتحويل الأموال وبيع منتوجات غذائية في البلدان المجاورة من أجل تمويل مشاريع إرهابية وشراء الاسلحة لفائدة البوليساريو والجزائر.

 

وعلاوة على التلاعب بالمساعدات، تشهد مخيمات تيندوف انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان للأسرى المغاربة في غياهب تندوف بالجزائر، وضد المدنيين والعسكريين المغاربة.

 

وخلال الأربعة عقود الماضية من زعامة محمد عبد العزيز المراكشي، الذي ظلت المخابرات الجزائرية تحركه بالروموت كونترول، عانى الشباب الصحراوي في المخيمات من التهميش والحرمان والضياع، فاضطرت ظروف العيش القاسية بعض أفراده إلى الارتماء في أحضان الجماعات الإرهابية، بينما وقع بعضه ضحية لعصابات الإجرام والتهريب، وفضلت غالبيته التمسك بعرى مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لحل الصراع، فكان عرضة للتنكيل والقمع من قبل عصابات البوليساريو بدعم من جنرالات الجزائر.

 

غير أن سلطات الجزائر بدأت منذ فترة التحضير لما بعد رحيل زعيم الجبهة الانفصالية، فخفضت مستوى تمثيل الحزب الحاكم في مؤتمر البوليساريو الأخير، واليوم لجأت إلى مستوى تمثيلها في جنازة محمد عبد العزيز المراكشي إلى أقل مما توقعه المراقبون، في رسالة واضحة الدلالة تشير إلى أن الجزائر باتت تفكر في تحميل قائد الانفصاليين المسؤولية الكاملة لإرث أربعين عاما من انتهاكات حقوق الإنسان والحرمان وتبديد المساعدات الإنسانية، وحرصت على دفنه خارج حدودها في أرض مغربية  توقف عنها زحف الجيش المغربي لإتاحة الفرصة أمام تثبيت وقف إطلاق النار الذي كان مطلبا أمميا استجابت له الرباط بمسؤولية يقتضيها موقعها المحترم وعلاقاتها المتميزة مع الفاعلين على الساحة الدولية.