قضية لحراطين : أزمة هوية أم أزمة انعدام ثقة/ الطلبة محمد احماده

أربعاء, 06/01/2016 - 01:33

يحكى أن ثعلبا سقط في بئر فلما أيقن أن لا حيلة له للخروج استلقى على ظهره و أغمض عينيه و تظاهر بالنوم و قال سأبقى هكذا ما حييت أحلم أني حر طليق أتنقل بين المروج و الحقول.

و هكذا استلقيت أنا أيضا على ظهري وأغمضت عيناي و التزمت الصمت ما تقدم من أيامي اتجاه قضية لحراطين رجاء مني أن يمتصها التاريخ كما فعل و يفعل بقضايا أكثر إثارة و أكثر تعقيدا. و لكنها خلاف مرادي كبرت و نمت شأن مادة ديكارت التي قال عنها في كتابه   »مبادئ الفلسفة « إن صفتها الأساسية هو التمدد و التمطط. فقررت إذن التملص من سياسة النعامة التي قد كنت اتخذتها شرعة اتقي بها الجلوس في منتديات أدب التشكي و منهاجا ينأى بي عن المرافعات الجدلية العقيمة. لقد اتخذت هذا القرار الخطير بعد أن رأيت أن صلابة الوحدة الوطنية بدأت تضعف خاصة بعد أن دب التصدع في جسم القومية العربية التي تشكل العمود الفقري و المنسأة الأقوى التي يرتكز عليها تماسك الوطن. فقد ظهرت دعوات متطرفة تطالب بانفصال لحراطين كقومية مستقلة و كأن لحراطين يعانون   »أزمة هوية «. و في خضم هذا التجاذب بدأت تجري محاولات تستهدف إعادة تشكيل التركبة الأثنية بإعادة بناء بعض المفاهيم السائدة التي يقوم عليها النسق القومي الموريتاني. من هذه المفاهيم السائدة، و التي يعمل هذه الأيام على تحريفها و إعادة بنائها، مفهوم  »لحراطين « .
إذن هو أمر جلل دعاني أن أذيب الجليد و أبدي رأيي المتواضع في هذه المقالة التي أردت لها أن تكون موجزة و لكن دقيقة ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
إذن من هم لحراطين ؟
لو سألت أي موريتاني يأكل الطعام و يمشي في الأسواق : من هم لحراطين ؟ لأجابك ببساطة : هم قوم لهم أصول شتى تعرض أسلافهم في مرحلة من التاريخ للاسترقاق. طبعا إن كنت من الذين لا يهتمون بدقة دلالة اللفظ على المدلول، فستكتفي بهذا التعريف السطحي و لن تستدرك بأن حول العالم عبيد سابقون كُثُر و لا يطلق عليهم هذا المفهوم. أما إن كنت من الذين يسرهم الغوص في كنه الأشياء، فلن يشفي غليل نهمك هذا الحد البسيط، بل ستواصل الاستقصاء، فتسأل ما هي لغتهم ؟ فيجيبك : العربية، ثم تضيف ما هي ثقافتهم؟ فيرد عليك : إسلامية عربية. و إذا زدت : ما هو دينهم ؟ فسيجيبك : الاسلام، ولو سألت: في أي بلد يعيشون ؟ لأجابك : في موريتانيا أساسا و لهم امتدادات في دول الجوار. قد تهتم بلون بشرتهم، فيفيدك بأنهم سمر غالبا. بهذا تكون قد حررت ورقة تعريف تعرف في القاموس المدني بالهوية.
إذن طبقا لهذا التعريف المنطقي، لحراطين هم مجموعة بشرية من أصول شتى، تَعرَّض أسلافهم في مرحلة من التاريخ للاسترقاق، يغلب السواد أو السمرة على بشرتهم، لسانهم عربي و ثقافتهم عربية إسلامية، ينتمون إلى القومية ذات الهوية العربية التي تبلورت بعد الإسلام، دينهم الإسلام و يقطنون أساسا موريتانيا مع وجود امتدادات لهم في دول الجوار. فهم إذن – شأنهم شأن إخوتهم الصناهجة- عرب مستعربة أو معربة و إن بالجوار يشكلون جزء لا يتجزأ من القومية العربية الكبرى و أي فهم آخر أو تعريف أو تحريف لهذا المفهوم لا يعدو كونه ضلالة أو جهالة للتاريخ. بل إنه لن يحيف من جزم أنه لا يوجد اليوم على الأرض عربي قُحٌّ. فالإسلام- مؤزرا بالعربية كلغة يضمنها القرآن- أثناء تمدده في العالم عَرَّب حضارات و شعوبا لم تكن لتصمد هويتها أمام تلك المنظومة الفكرية التي تحمل في طياتها كل القيم الإنسانية الكبرى. فالدين الإسلامي كان له- كما كان للعربية- الدور الكبير في تحديد الهوية العربية و بلورتها. و للتاريخ المشترك-المضيء و المظلم منه على السواء-الدور نفسه الذي يلعبه الدين و اللغة و الثقافة في تحديد الهوية و الانتماء إليها.

لقد بينا بما لا يدع الشك أن هوية لحراطين عربية، فما هي أزمتهم إذن ؟
أزمة لحراطين ليست أزمة هوية و لكنها أزمة ثقة، أزمة خيبة أمل و إحباط نتجت أصلا عن خطإ فادح وقع في ظرف حاسم من تاريخنا الحديث و استمر حلقات متتابعة إلى يومنا هذا.
فبعد رحلة طويلة و شاقة عبر تضاريس التاريخ الوعرة و متاهاته المعتمة، خضنا فيها صراعات عنيفة مع الطبيعة و مع بعضنا البعض، ترك كل منها ميراثا من الآلام و الخسائر الإنسانية تراوح في الضخامة و الشدة بين ما تم نسيانه بسرعة و ما ظلت ذكراه تلهب الوجدان، و صلنا جميعا، نحن و هم، عتبة الدولة العصرية، عند الإهلال بالاستقلال. هناك جلسنا جميعا نستظل بالعَلَم الجديد...نستلذ نبضاته... نتأمل... نستشرف ميلاد يوم جديد تتحقق فيه الآمال و الأحلام...أن نحلم، ليس هذا بعار ! و لكن العار هو أننا ذهبنا نستبق و تركناهم عند متاعنا وقد أثخنتهم الجراح، جراح خلفتها قرون من العبودية و الاسترقاق. ذهبنا نتسلق قمة الجبل و تركنا رفقاء الدرب، أولئك الذين وقفوا معنا في المحن و آزرونا في السراء و الضراء، و فدونا من عوادي الزمن بالدماء و بعرق الجبين، تركناهم في السفح، في ملعب الأفاعي يواجهون لوحدهم مصيرهم المحتوم. فلم نلتفت إليهم رغم إشارات الاستغاثة المتكررة التي أرسلوها طيلة السنين، و لم نستمع إلى خلجات قلوبهم بل تركناهم يقبعون في غيابات الجهل و البؤس و الحرمان. واصلنا الاندفاع إلى الأمام و كأننا لم نقرأ في كتب التاريخ.... و كأننا نسينا أن في الغابة أسود تتربص بنا، تكمن لنا عند منعطف الطريق لتجهز علينا حين يغيب العقل، و يَدْلَهِمُّ الظلام...حين يؤكل الثور الأبيض.
استعتبونا فما أعتبناهم و مضينا في نهج سياسة النعامة التي تخفي رأسها بين ساقيها عندما تواجه الخطر. إن علينا أن نواجه الواقع بسلامة التفكير و التحرر من الانطواء على الذات و التفتح على حوار الآخرين. لقد أصبحنا في وقتنا هذا أحوج ما نكون إلى الحوار للوصول إلى الحقيقة. ولن يستقيم حوار دون تحديد الأهداف و المفاهيم حتى يكون حوار السامعين المفكرين، لا حوار الصم المنغلقين. فالواقع يفرض علينا أن نجلس بعضنا إلى بعض و أن نناقش قضايانا وجها لوجه و إلا كان كل منا يغني على ليلاه، و يظل خطر الخصومة جاثما على مستقبلنا.
الوطن يعيش مرحلة خطيرة ناشئة من التحديات التي تواجهه من خصومه، و معالجة إنهاء الخصومة تتطلب منا تفكيرا موحدا حول أسبابها و ظروفها. و الجمود و عدم التحرك ينعكس سلبا على سلوكنا و على التصرف الذي يتبعه كل منا. لقد آن لنا أن نتجاوز سياسة إدارة الأزمة بعد أن ثبت فشلها، إلى تصور مقاربة تصدر عن إجماع وطني، تتمثل في خارطة طريق محكمة، توصل في نهاية المطاف إلى إخراج إخوتنا من عنق الزجاجة. إن مشكلتهم في الأساس هي مشكلة انعدام ثقة، و مشاركتهم في الحل يفضي إلى استرجاع هذه الجوهرة المفقودة.
نحن، لماذا نخاف ؟ و من ماذا نخاف ؟ لماذا نختار السير في متاهات مظلمة تقودنا إلى تدويل قضية كنا في غنى من تدويلها. لماذا هذا الخوف من أن نتصارح مع أنفسنا و مع الأشقاء ؟ أهو ناتج عن فساد في التصور أم عن ارتباك في القرار ؟
لست أدري ! و لكني يخيل إلي أننا نسير في أرض مفعاة، و أن القوم عنا راحلون، و يبدو لي أن شاحنات الأمم المتحدة أصبحت جاهزة لنقلهم ربما إلى أدغال القارة السمراء. إلا أنني من هول ألم الفراق، تراءت لي، في ما يشبه الأحلام، لافتة بيضاء تلف إحدى الشاحنات كتبت عليها كلمات وداع :
    أقيموا بني أمي صدور مطيكـــــــــــــــم    فإني إلى قوم سواكم لأميــــــــــــــل
    وقد حمت الحاجات و الليل مقمــــــــــــر  و شدت لطيات مطايا و أرحـــــــــل
    و في الارض منأى للكريم عــــــن الأذى   و فيها لمن خاف القلى مـــــــــتعزل
لعمرك ما في الارض ضيق على امرئ   سرى راغبا أو راهبا و هو يــــعقل
   و لي دونكم أهلون سيد عملــــــــــــــــس   و أرقط زهلول و عرفاء جيئـــــــــل
   هم الأهل لا مستودع السر ذائــــــــــــــع    لديهم و لا الجاني بما جر يخــــــــذل
فأيقنت، من خلل الشفوف، أن العروبة تلاحقهم أينما ثقفوا و أيقنت أنهم مدركون.
تلك هلوسة أحلام تقنصتني حين كان مقرر الأمم المتحدة يضع سيفه على عنقي، يهددني بالقتل جوعا إن لم أطعم جيران منزلي كما قتل و يقتل صِبْيَة غزة، في فلسطين.
إلهي، متى كان لِبني الأصفر سبيل على المرابطين حتى يعطوهم دروسا في الأخلاق، إن كانت هذه أخلاق ؟
إنه التاريخ مليء بالحفلات، و لكنه أيضا حافل بالمآتم !